تسعة أشهر من الحفر المتواصل بالملعقة، ساعات من التوتر واليقظة، وخطط دقيقة تحسب فيها كل حركة، كل خطوة، كل صوت، كان كل يوم فيها مغامرة بين الحياة والموت، درسًا عمليًا في الصبر والإصرار، وتأكيدًا أن الحرية لا تُمنح، بل تُصنع.
لم ينتظرا محمود العارضة وأيهم كممجي مفتاحًا، لم يطلبوا إذنًا، بل أخذوا مصيرهم بأيديهم، حفرة تلو الأخرى، لترسم لهم منفذًا إلى عالم خارج قيود الاحتلال، عالم يملؤه الهواء الحر والقدرة على التحرك، حتى لو كان لبضع ساعات فقط.
اللحظة التي ذاقا فيها الحرية كانت لحظة حقيقية لا يمكن اختزالها بالكلمات؛ خطواتهما الأولى خارج القيد شعور لا يقارن بأي وهم عن التحرر، لحظة جعلت كل التعب، كل الساعات المنقضية في الحفر، ثمنًا زهيدًا مقابل طعم الحياة، لكن الاحتلال أعادهما سريعًا، وأغلق على تلك اللحظات بابها القصير، ليجدوا أنفسهم مرة أخرى مقيدين، مضطرين لمواجهة واقع لم يُخفف من قسوته ذوق الحرية.
ومع ذلك، لم تكن العودة هزيمة، بل اختبارًا أقوى للإرادتين، وتجربة صقلت عزيمتهما، حيث أصبح كل دفقة تراب حُفرت بالملعقة رمزًا، وكل لحظة حرية قصيرة درسًا في القدرة على الصمود، وعلى أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل، من القلب قبل أي مكان، ومن الإصرار قبل أي ظرف.
في هذا الحوار مع "وكالة سند للأنباء"، يرويان تفاصيل رحلتهما من أول حفرة حفروها بالملعقة، إلى لحظة التحرر القصيرة، ثم العودة القسرية إلى الأسر، كل شعور، كل حركة، كل لحظة ألم أو فرح، لتصبح شهادة على قدرة الإنسان على إعادة تعريف معنى الحرية، مهما كانت الظروف أقسى.

"مهندس نفق الحرية"..
"بدأت الحفر منذ اللحظة الأولى التي وضعت فيها الملعقة بين أصابعي"، يقول محمود العارضة، وهو يستعيد تفاصيل حفر النفق، حيث خطّط مع رفاقه كل حركة، وحسب كل خطوة، كي لا تكشف إدارة السجن خطتهم، "كل يوم كنت أستيقظ وأقول لنفسي: اليوم سنقترب خطوة نحو الحرية، الحفر لم يكن مجرد إزالة تراب، كان بناء حلم، كل حفرة صغيرة فيها رسالة، وكل يوم يمر هو انتصار على اليأس".
ويصف العارضة اللحظة التي اكتشف فيها التجويف تحت الحمام في زنزانته قائلًا: "شممت رائحة التراب، شعرت بالنصر يسري في عروقي، أدركت أننا على وشك لمس الحرية، لم يكن مجرد فتح باب، بل تحرير لروحنا، وإثبات أن الإرادة لا يمكن لقيد أن يقيدها".
وفي السادس من سبتمبر 2021، خرج العارضة ورفاقه من النفق؛ ليشم هواء العالم الخارجي بعد عقود من الأسر، "تنفست الحرية بعمق"، يقول، "أدركت حينها أن الحرية ليست فقط المكان، بل اللحظة، والوعي، والإحساس بأنك حيّ، وأنك لم يُكسر فيك شيء".
لكن الاحتلال لم يترك الفرح طويلًا، فأعاد اعتقاله بعد أسبوعين، ويصف تجربته بالعودة القسرية قائلًا: "عدت إلى الزنزانة، وقلت لنفسي: لن يقتنعوا أنني هُزمْت، الحرية لم تُسلب مني، شعور الحرية بقي معي، حتى بين الجدران والقضبان".
وخلال سنوات اعتقاله التي قاربت الثلاثين عامًا، شهد محمود العارضة الانتهاكات اليومية التي تزايدت بعد "طوفان الأقصى"، لكنه لم يضعف، بل صقل إرادته: "كنت أقرأ، أكتب، أحفظ القرآن، وأفكر، الأدوات كانت بسيطة، الكتاب والوعي كانا سلاحي ودرعي، كل درس تعلمته في السجن، كل قراءة عميقة، كانت تجهيزًا للحرية القادمة".
ماذا عن أول لقمة بعد الإفراج؟ يضحك بصوت خافت، وكأنه يشارك ذكرى كانت بين الحياة والموت: "أول لقمة بعد الإفراج، الملعقة، الجبنة الزعترية، شعرت أنها تحمل العالم كله"، لكن محمود العارضة لا يتحدث عن السجن كمكان، بل عن المعارك اليومية التي خاضها فيه: الحفر، النفق، الصبر، كل ساعة فيها كانت فعلًا وتحديًا.
ولا يغفل العارضة دور غزة في هذه المعادلة، فهي بالنسبة له "مصدر القوة، القلب النابض للصبر والمقاومة" كما يصفها، يقول: "كل رسالة دعم من غزة، كل متابعة من فصائل المقاومة، كانت ترفع معنوياتي، تجعلنا نعرف أن هناك وعدًا لا ينكسر، وأن الحرية ليست مجرد مكان، بل إرادة حية في داخلنا".

أيهم كمّجي.. الأسر، الصمود، والشعر في وجه الاحتلال
سمعنا صوت أيهم واضحًا عبر الهاتف، يتنفس بعمق قبل أن يبدأ بالكلام: "تم إبلاغي مباشرة: مبعد إذا خرجت من الضفة الغربية، وخارج كفردان وجنين، ضابط الشباك قال لي حرفيًا: إذا اعتقلناك في كفردان أو في جنين أو داخل إسرائيل، فسوف يُعاد حكمك فورًا."
توقف كممجي قليلًا، وصوت الحماس والدهشة يرتجف بين كلماته: "في تلك اللحظة لم أكن أفهم تمامًا ما سيحدث، كنا شاكين داخليًا أنها مجرد ترويحة، لكن الطريقة التي جاءوا بها والطريقة التي كانوا يلمحون إليها على أننا سنُعدم، كانت شعورًا غريبًا، مزيج بين الخوف والفرحة."
ويضيف بصوت يتصاعد معه الأدرينالين: "كنت أتوقع لحظة بلحظة أن تأتي الفرحة، ولكن حين تعيش اللحظة، يكون لها طعم آخر، شعور لا يمكن وصفه، درينالين يفيض في الدم، قلبك يدق أسرع، كل شعور فيك يكون مكثفًا جدًا."
أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يتابع: "أول ما خطر ببالي حين علمت أني سأُنقل إلى قطاع غزة، قلت في داخلي: أخيرًا أستطيع أن أسد بعض الدين الذي علي لأهل غزة، لكن الحقيقة لم أكن أعلم حجم الدمار حتى رأيته بعيني، حينها قلت عبارتي: معكم المحية ومعكم الممات يا أهل غزة، والله لو أنفقت حياتي كلها لأوفيهم حقهم لما كفى."
صوت أيهم ارتجف قليلًا حين ذكر صفقة التبادل: "أبلغني ضابط الشباك الإسرائيلي بالخبر، سمح لي أن أتواصل مع والدي، هذه اللحظة شعرت فيها بعظمة العقيدة والإيمان، الإنسان غير الملتزم عقائديًا يكون كالكوب الزجاجي، ينكسر بسهولة، أما من لديه عقيدة وإيمان، يعرف متى يقاتل ومتى يثبت، يعرف كيف يواجه العدو، ويصمد."
أيهم مع العائلة..
انتقل للحديث عن عائلته وحياته: "والدي علمني حب الوطن والتحدي، وجعلني أحب غزة منذ صغري، والدي كان يكتب الشعر، ورغم أنه لم يحتفظ بالكثير من أبياته، فقد ورثت هذه الموهبة منه، وأمي رحمها الله، الشهيدة مريم كمّجي، كانت رفيقة دربي وحب حياتي، شاركتني كل شيء، حتى تربيت على الصمود."
صوت أيهم صار أهدأ لحظة استرجاع ذكريات الأسر: "كنت أكتب الشعر في السجون، أعبّر عن شعوري، عن وحدتي، عن الألم، أتذكر مرة كنت في نفحة، والاحتلال لم يهتم بأيام العيد، شعرت بالإهمال الشديد، فقلت في نفسي: يا رب، إني شاكي لك وحدتي، الأسر طال، والسجن أرهقني، والداء رفيقي."
توقف قليلاً قبل أن يكمل: "هذه الكلمات ساعدتني على الصمود، والآن، بفضل أخي حمد يحيى الحج، بدأت أسجل كل قصائدي، وصلت اليوم إلى نحو خمسين أو ستين قصيدة سأصدرها قريبًا، وكلها عن تجربتي، عن غزة، عن الأسر، عن المقاومة."
وبالعودة إلى اللحظة الصعبة بعد محاولة الهروب من السجن: "بعد هروبنا من نفق جلبوع، كنا نعلم أننا معرضون للقتل أو العودة للأسر في أي لحظة، شعور غريب، كنا دائمًا نستعد للأسوأ، لكن مع كل ذلك، لم أشعر يومًا أن إرادتي أو معنويتي ستنكسر، الشعب الفلسطيني صامد، لا يمكن كسره."
صوت أيهم صار أكثر حدة وحماسة حين وصف التعذيب: "تعرضنا للضرب، للكي، للجروح، وحتى لكسور في الأسنان وأعضاء الجسم، لكن كل هذا لم يضعف عزيمتي للحظة، بالعكس، كل ما حاولوا، زادني تحديًا وقوة، تعلمت كيف أصمد، وكيف أكون كالجبال."
توقف دقيقة، ثم أنهى حديثه بابتسامة رغم صوته المتعب: "هذه التجربة كلها، النفق، الأسر، الضرب، النكبات، كل شيء صقل شخصيتي، وجعلني أعرف قيمة الحرية، وكل قصيدة، وكل كلمة أكتبها اليوم، هي رسالة من قلب الأسير إلى العالم، أن إرادة الشعب الفلسطيني لا تُكسر".

"نفق الحرية"..
تمكن ستة أسرى فلسطينيين، بينهم محمود العارضة وأيهم كممجي، من تحقيق ما بدا مستحيلًا في السادس من سبتمبر 2021، حين هربوا من سجن جلبوع شديد التحصين عبر نفق حفروه على مدى أشهر، النفق بدأ في حمام زنزانتهم، حيث أزالوا بلاطة رخامية وحفروا بعناية يوميًا مستخدمين أدوات بسيطة مثل الملاعق، قبل أن يعيدوا اللوح الرخامي لمكانه لإخفاء الحفريات.
الأسرى الذين شاركوا في عملية الهروب هم: محمود العارضة (50 عامًا) من عرابة، ويعقوب قادري (53 عامًا) من بير الباشا، وأيهم كممجي (39 عامًا) من كفر دان، ومناضل انفيعات (40 عامًا) من يعبد، ومحمد العارضة (44 عامًا) من عرابة، وزكريا الزبيدي (49 عامًا) من مخيم جنين.
وقد أُفرج عن زكريا لاحقًا ضمن صفقة التبادل الأولى بين "إسرائيل" وحركة حماس، وهو أحد قادة كتائب شهداء الأقصى، الذراع العسكرية لحركة فتح.
كان الهدف من الحفر الهروب من "الخزانة"، كما يلقب الإسرائيليون سجن جلبوع، أحد أكثر المنشآت الأمنية تشديدًا. وبالرغم من تعقيدات السجن والرقابة الشديدة، أثبت الأسرى أن الإرادة والدهاء يمكن أن يتجاوزا أقسى القيود، ليصبح كل دفقة تراب حفروها بالملعقة رمزًا للصمود وإصرار الإنسان على الحرية.
