في الخامسة والعشرين من عمرها، تحمل سجى أحمد محمد الزويدي من غزة قلمًا أثقلته التجارب، وقلبًا لم ينكسر رغم الفقد، لتقدّم نفسها ككاتبة وروائية وشاعرة فلسطينية وجدت في الكتابة طريقًا للنجاة ونافذة تُطلّ منها غزة على العالم.
سجى، زوجة الشهيد خليل شحادة الذي ودّعته في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول 2023، تقول إن ذلك التاريخ كان "نهاية حياتها، وبداية كاتبة فلسطينية"، فمن رحم الألم وُلدت روايتها "مأساة وطن مجروح" التي كتبت فصولها بين النزوح والقصف والخوف، قبل أن تجد طريقها إلى دار نشر مصرية تبنّت طباعتها ونشرها.
بدأت موهبة سجى حين كانت طفلة في الثامنة بعد استشهاد عمّها الأقرب إلى قلبها؛ فخطّت أول أبياتها الشعرية وهي ما تزال تتلمس طريق الحروف. لكن مسارها الدراسي توقّف عند الصف التاسع بعد زواجها المبكر في عمر السادسة عشرة من خليل، قريبها ورفيق طفولتها.
وتضيف سجى لـ"وكالة سند للأنباء": "تربّينا معًا وخطبنا في عمر 14، وتزوّجنا بعد عامين، وعشنا زوجين لثماني سنوات. حاولنا الإنجاب عبر عمليات أطفال الأنابيب دون نجاح، ولم نُرزق بأطفال".
بعد زواجها ألّفت كتابًا بعنوان "قصة فتاة" وثّقت فيه مسار حياتها مع خليل منذ الطفولة وحتى محاولة الإنجاب، لكنها توقفت عند محطة حساسة.
وتروي: "خشيت أن أبدأ بعملية زراعة الأنابيب وأن يكون ما أكتبه عكس ما سيحدث في الواقع.. ولم أكن أعلم أن النهاية التي توقفت عندها ستناديني مجددًا بعد رحيل خليل".

رواية ولدت من الحرب
بعد عام ونصف على استشهاد زوجها، بدأت سجى كتابة "مأساة وطن مجروح"، وهو كتاب يقع في 80 صفحة، يروي تفاصيل العدوان والنزوح والبيوت التي تُمحى، والبلاد التي هُجّر منها أجدادها ولم ترَها يومًا.
وتشير ضيفتنا إلى أنّها بدأتُ الرواية لتوثيق حكاية زوجها الشهيد، لكنها وجدت نفسها أكتب عن بيت وحارة ووطن.
لم تُكتب الرواية في ظروف عادية؛ فقد رافقتها الحرب في كل تفاصيلها، ونزحت معها من بيت حانون إلى مناطق عديدة.
وتصف تلك اللحظات: "عندما أجبرنا على النزوح مرة أخرى، وحين صار القصف باتجاه منزلنا، حملت حقيبة فيها أغراض زوجي وكتبي وأقلامي فقط. لم آخذ ملابسي… أردت فقط أن أحافظ عليهم".

بين الفقد والحلم
تسكن سجى اليوم في دير البلح، المكان الذي استشهد فيه زوجها، وتحكي عن اللحظة التي غيّرت حياتها: "كان خليل يملأ المياه من عند الجيران، ثم قُصف المكان.. 75 شهيدًا ارتقوا في تلك المجزرة وكان خليل بينهم، أصبتُ أنا أيضًا، لكنني خرجت من بين النيران أبحث عنه وأنا أنزف".
وتتابع بوصف مؤثر: "كان خليل مدفونًا تحت شجرة الزيتون من شدّة القصف، رأيته على بعد 60 مترًا. كانوا يظنون أني فقدت عقلي، لكنني شعرت أن الشجرة تبكي عليه.. كانت كرامة لزوجي".
ورغم الألم، واصلت سجى الكتابة، فهي تملك أكثر من ثلاثين قصيدة، وأربعة كتب؛ منها كتاب عن التوحد، وآخر بعنوان "الحلم"، وكتاب يروي سيرتها الذاتية.
كما أنتجت فيلمًا كرتونيًا تصف فيه كيف تلقّت أعضاء جسدها خبر فراق خليل، وسجّلته بصوتها.

وتقول: "أريد أن يصل صوتي للعالم.. صوتي يحمل أصواتًا أخرى من غزة.. لا أتحدث عن نفسي فقط، بل عن غيري ممن يعانون".
تمضي سجى في مشوارها وفاءً لزوجها، وتحمل مسؤولية تجاه والديه. متابعةً: "قصتي مع خليل ليست مجرد زواج؛ كانت قصة طفولة وصداقة وأخوّة. هذا الحلم هو ما يدفعني لأكمل الطريق وحدي، وأن أكون كاتبة قادرة على إيصال صوت غزة للعالم".
ورغم الطريق الشاق الذي اضطرّت سجى أن تكمله وحدها، لم تكن خطواتها بلا سند، فقد كان والدها، الذي يعرف هشاشتها كما يعرف قوتها، هو اليد التي أعادت ترتيب فوضى قلبها بعد رحيل زوجها.
تستذكر كلماته لها: "قال لي ذات يوم ابحثي عن سجى ولا تدعي الفقد يبتلع مستقبلك"، لتفتح هذه الكلمات بابًا في آخر النفق، مؤكدةً أنّ كلمات والدها لم تدفعها نحو الكتابة فقط، بل أعادت تعريفها لنفسها؛ جعلتها ترى أن صوتها ليس ملكًا لألمها وحده، بل نافذة لوجع وطن كامل.

