يتسبب الاحتلال الإسرائيلي في أزمة اقتصادية متفاقمة داخل الضفة الغربية، انعكست بشكل مباشر على قطاع التعليم، حيث أُجبرت المدارس الحكومية على العمل ثلاثة أيام فقط في الأسبوع، وسط تحذيرات من حرمان جيل كامل من حقه الأساسي في التعليم.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تعطل التعليم في دولة الاحتلال نتيجة الحرب مع إيران، لكن بالنسبة للطلاب الفلسطينيين في الضفة الغربية، فإن الأزمة مستمرة منذ نحو عامين، في ظل ظروف سياسية واقتصادية خانقة.
وتدفع السلطة الفلسطينية حالياً نحو 60% فقط من رواتب المعلمين منذ أكتوبر 2023، نتيجة أزمة مالية حادة، ما أدى إلى تقليص أيام الدراسة إلى النصف تقريباً.
وتقول عائشة الخطيب، مديرة مدرسة في نابلس، إن هذا الوضع دفع بعض الطلاب إلى ترك الدراسة نهائياً، موضحة: "يشعر الطلاب بالملل من الذهاب إلى المدرسة ثلاثة أيام فقط، فقرر بعضهم تركها والعمل في الشوارع".
ورغم أن التعليم الأساسي إلزامي، فإن ضعف القدرة على تطبيق قوانين عمل الأطفال، إلى جانب تردي الأوضاع الاقتصادية، يدفع العديد من الأطفال إلى سوق العمل مبكراً، خاصة في ظل غياب فرص حقيقية لاستكمال التعليم.
السيطرة على الموارد الفلسطينية
تعود جذور الأزمة إلى السيطرة الإسرائيلية على الموارد المالية الفلسطينية، حيث تحتجز سلطات الاحتلال منذ عام 2019 نحو 8 مليارات شيكل من عائدات الضرائب المستحقة للسلطة الفلسطينية.
ووفق الاتفاقيات، تتولى سلطات الاحتلال جمع هذه العائدات وتحويلها شهرياً، إلا أن حجبها أدى إلى شلل واسع في القطاعات الحيوية.
ويؤكد سائد جبارين، وهو أب من رام الله، أن هذه السياسات تؤثر على كل مناحي الحياة، قائلاً: "عدم تحويل الأموال يعطل عمل المعلمين والمهندسين والشرطة، ويجمد الحياة بالكامل".
وقد أدت هذه الإجراءات إلى تقليص ميزانيات القطاع العام، وعلى رأسها التعليم، ما انعكس مباشرة على جودة العملية التعليمية واستمراريتها.
وتشير بيانات إلى أن نحو 9% من الطلاب تسربوا من المدارس خلال العامين الماضيين، فيما لا يزال معظم الطلاب الملتحقين بالتعليم يعتمدون على المدارس الحكومية التي تمثل 78% من إجمالي المؤسسات التعليمية.
أما الطلاب الذين يواصلون تعليمهم، فيقضون نصف وقتهم خارج المدرسة دون نشاط تعليمي فعلي، في ظل تقليص المناهج الدراسية إلى الحد الأدنى.
وتوضح المعلمة تمارا شتيه أن التركيز أصبح مقتصراً على المواد الأساسية مثل الرياضيات واللغات، بينما يتم تهميش مواد أخرى كالتاريخ والعلوم، ما يخلق فجوة معرفية كبيرة بين الأجيال.
وتقول: "الطلاب الذين كانوا يدرسون ستة أيام أسبوعياً ليسوا كمن يدرسون ثلاثة أيام فقط. هناك فجوة واضحة بين الجيلين".
مئات الحواجز العسكرية
وإلى جانب الأزمة المالية، تعيق الإجراءات العسكرية الإسرائيلية وصول الطلاب والمعلمين إلى مدارسهم، حيث تنتشر مئات الحواجز العسكرية في الضفة الغربية.
تؤكد الخطيب أن بعض المعلمين يضطرون لعبور حواجز يومياً، وفي كثير من الأحيان يتم إغلاقها، ما يمنعهم من الوصول إلى المدارس.
وبحسب الأمم المتحدة، ارتفع عدد الحواجز إلى نحو 900 حاجز منذ أكتوبر 2023، ما يزيد من صعوبة التنقل ويؤثر بشكل مباشر على انتظام العملية التعليمية.
كما يشكل عدوان المستوطنين عائقاً إضافياً، حيث يتعرض الطلاب لهجمات متكررة أثناء توجههم إلى مدارسهم. وفي إحدى الحوادث، أضرم مستوطنون النار في فصل دراسي بقرية جالود قرب نابلس في يناير 2026.
ولا تتوقف التأثيرات عند هذا الحد، إذ تؤدي الاقتحامات العسكرية للمنازل إلى صدمات نفسية لدى الأطفال.
ويقول غسان دغلس محافظ نابلس، إن بعض هذه العمليات تستهدف طلاباً يتم اعتقالهم واستجوابهم لساعات، ما يترك آثاراً نفسية عميقة.
ويؤكد التربويون أن هذه الظروف أدت إلى تراجع حاد في مستوى التعليم، لدرجة أن بعض الطلاب الذين أنهوا المرحلة الثانوية يفتقرون إلى مهارات أساسية في القراءة والكتابة.
وتقول الخطيب: "نواجه طلاباً أنهوا المدرسة وهم لا يعرفون الكتابة بشكل جيد. هذا نتيجة نقص التعليم".
كما تغيرت طموحات الطلاب بشكل ملحوظ، حيث لم تعد المهن التقليدية كالهندسة والطب ضمن أحلامهم، بل أصبح بعضهم يفضل العمل التجاري البسيط لتأمين دخل سريع.
تفكك اجتماعي متزايد
يؤدي هذا الواقع إلى تفكك اجتماعي متزايد، حيث تضطر العائلات إلى إعطاء الأولوية للبقاء الاقتصادي على حساب التعليم.
تقول إيمان حسينة، وهي أم لطفل في نابلس، إنها تحاول دعم ابنها دراسياً، لكنها تواجه صعوبة بسبب ضغوط العمل بعد فقدان زوجها وظيفته.
وتوضح: "أحاول متابعة دراسته، لكن الوقت لا يكفي. الوضع يؤثر على الأسرة بأكملها".
في المقابل، تظل المدارس الخاصة تعمل بشكل طبيعي، لكنها خارج متناول معظم العائلات بسبب ارتفاع تكاليفها.
وتبلغ نسبة البطالة في الضفة الغربية أكثر من 28% بحلول عام 2025، ما يعمق الأزمة ويدفع مزيداً من الأطفال إلى ترك التعليم.
ويقول أحد الطلاب، الذي ترك المدرسة ليعمل في بيع الحلوى: "أفضل العمل على الدراسة".
ويحذر التربويون من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى آثار طويلة الأمد، ليس فقط على الأفراد، بل على المجتمع بأكمله.
وتختم الخطيب بالقول: "ما يحدث هو انهيار كامل للعملية التعليمية. نحن أمام جيل تائه، بلا أهداف واضحة، وهذا يعني تدمير المستقبل".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
