في 31 مايو/أيار، أعلن الدكتور رائد حسنين، مدير مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح بوسط قطاع غزة، أن المستشفى بات على وشك الإغلاق مجدداً بعد تعطل مولده الكهربائي الرابع، موضحا أن نصف مليون شخص يعتمدون على المستشفى للعلاج باتوا الآن معرضين لخطر فقدان خدمات الرعاية الصحية.
وشكّل المؤتمر الصحفي في حينه حلقةً جديدةً في سلسلة الأزمات المتواصلة التي ألمّت بالقطاع الصحي في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين انقطعت الإمدادات الغذائية والكهربائية والوقود عن القطاع بشكل كامل.
ومنذ ذلك الحين، تعرّضت شبكة الكهرباء في غزة لانهيارٍ تام، ما أجبر المستشفيات والمراكز الطبية على الاعتماد كلياً على المولدات الكهربائية لمواصلة عملياتها، والتي كانت تُستخدم سابقاً كمصدرٍ احتياطي للشبكة الرئيسية.
ويقول العاملون في المستشفيات إن المولدات أصبحت باليةً للغاية بعد أكثر من ثلاث سنوات من الاستخدام المتواصل، وقد تعطل عددٌ منها بالفعل.
والنتيجة هي أن المستشفيات والمؤسسات الأخرى التي تقدم خدمات أساسية للسكان تعمل الآن باستمرار على بعد أيام قليلة من الإغلاق، حيث تتلقى ما يكفي من الوقود والإمدادات الطبية لتجنب إغلاق أبوابها تمامًا، ولكن ليس بما يكفي للعمل بأكثر من جزء صغير من طاقتها الطبيعية.
ويلاحظ العاملون الصحيون والمسؤولون في غزة أن وتيرة تعرض المستشفيات لأزمات حادة بشكل دوري، تليها فترات من الراحة المؤقتة، تشير إلى سياسة إسرائيلية متعمدة لضبط مستوى الحرمان.
ويقولون إن النتيجة هي تجنب الانهيار التام، لكن القطاع الصحي برمته يبقى في حالة من عدم الاستقرار المستمر.
حملة عدوانية ضد النظام الصحي في غزة
وصرح الدكتور خليل الدقران، المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، بأن دولة الاحتلال تشن حملة عدوانية ضد النظام الصحي في غزة، ولا تزال ملتزمة بإبقاء المعابر الحدودية مغلقة أو مفتوحة جزئياً فقط.
وأشار في الوقت نفسه إلى استمرار الحصار المفروض على قطاع غزة، حيث "لم يُسمح بدخول أي معدات طبية إلى القطاع الصحي، بينما لم تدخل سوى كميات محدودة من الأدوية والمستلزمات الطبية".
وأكد الدقران أن ما وصل لا يكفي بتاتاً لتلبية احتياجات المرضى.
في أبريل الماضي، أطلق مستشفى ناصر في خان يونس نداءات عاجلة بسبب نقص الإمدادات الطبية وعدم توفر حليب الأطفال للمرضى.
ثم واجه المستشفى لاحقًا نقصًا متكررًا في الوقود والمواد المخبرية. والآن، أطلق مستشفى شهداء الأقصى نداءً عاجلاً بسبب نقص الوقود والمولدات الكهربائية.
سياسة الحرمان الممنهجة وسط كارثة صحية عامة
تعود حالة الأزمة الدائمة التي يعاني منها القطاع الصحي في غزة إلى ما قبل الحرب، لكنها اتخذت معنى جديداً تماماً خلال الإبادة الجماعية، واستمرت بشكل متقطع حتى في ظل ما يسمى بوقف إطلاق النار لذي دخل حيز التنفيذ في أكتوبر 2025.
ووفقاً لمسؤولي المستشفيات، فإن التدفق المنخفض والمتقطع للمساعدات يعني أن حتى تأخير يومين أو ثلاثة أيام في وصول الإمدادات يمكن أن يتسبب في نقص حاد شبه فوري يهدد بتوقف العمليات تماماً.
ويتفاقم هذا الوضع بسبب ما وصفه الدكتور الدقران بـ"الانتهاكات اليومية" لاتفاق وقف إطلاق النار، والتي ما زالت تتسبب في أعداد كبيرة من الوفيات والإصابات التي تُدخل المستشفيات ذات الموارد المتضائلة إلى المستشفيات.
وأضاف: "في الوقت نفسه، يتزايد عدد المرضى بسبب الظروف المعيشية غير الصحية. يُجبر السكان على العيش وسط مياه الصرف الصحي والقمامة والحشرات والقوارض، مما يخلق بيئة مواتية لانتشار الأمراض".
وقد أدى تفشي القوارض في قطاع غزة إلى حالة طوارئ صحية عامة، حيث سُجل أكثر من 70 ألف إصابة منقولة بالقوارض في جميع أنحاء القطاع بين يناير ومايو من هذا العام.
ويُعدّ هذا جزءًا من سياسة أوسع نطاقًا لتسليح الأمراض المعدية ضد سكان غزة.
وكتب الدكتور سلمان خان، أخصائي الأمراض المعدية الذي سافر إلى غزة في مهمة طبية لمدة ثلاثة أسابيع في فبراير الماضي، أن انهيار النظام الصحي، والاكتظاظ السكاني، وسوء الصرف الصحي "تضافرت جميعها لتسهيل انتشار البكتيريا المقاومة للأدوية المتعددة وتفاقم عبء مقاومة المضادات الحيوية في غزة".
وأكد الدقران أن هذه السياسة تتجلى بوضوح في الاستهداف الإسرائيلي المتعمد لنظام الرعاية الصحية في غزة، حيث دمرت عدداً كبيراً من المستشفيات والأقسام الحيوية، فضلاً عن أكثر من 50% من مولدات الطاقة الكهربائية في المستشفيات.
وأضاف: "تدهورت حالة المولدات المتبقية نتيجة الاستخدام المتواصل لما يقارب ثلاث سنوات"، واصفاً إياها بأنها شريان الحياة الوحيد لاستمرار العمليات في المستشفى.
وأضاف أن استمرار إغلاق المعابر المؤدية إلى غزة ومنع دخول المساعدات والإمدادات الأساسية، في رأيه، يرقى إلى "سياسة متعمدة للقتل غير المباشر، تؤثر على المرضى والمدنيين على حد سواء".
وأوضح أن الحل يكمن في السماح بدخول مولدات كهربائية عالية القدرة قادرة على تزويد جميع أقسام المستشفى بالطاقة، وإعادة التيار الكهربائي المباشر إلى المرافق الطبية.
المستشفيات على أجهزة الإنعاش
حتى وقت كتابة هذا التقرير، تم إغلاق غرفة العمليات في مستشفى شهداء الأقصى. كما تم تعليق أكثر من 50% من الخدمات في وحدة غسيل الكلى، ووحدة العناية المركزة، وحاضنات الأطفال حديثي الولادة، والمختبرات.
قال الدكتور حسنين في المؤتمر الصحفي الذي عقد يوم الاثنين إن بعض الأقسام قد تم فصلها بالفعل في الأسبوع السابق، لكن الضربة الكبرى جاءت في بداية هذا الأسبوع، "عندما اضطر العمل داخل غرف العمليات بالمستشفى إلى التوقف".
وأوضح أن المستشفى كان يُشغّل عدة مولدات كهربائية رئيسية طوال فترة الحرب، لكن ثلاثة منها تعطلت خلال السنة الأولى، فلم يتبق منها سوى ثلاثة تعمل.
ومؤخراً، تعطل أحد المولدات الاحتياطية أيضاً، فلم يتبق سوى مولدين: أحدهما يعمل نهاراً والآخر ليلاً.
قال إسماعيل أبو النمر، رئيس قسم الصيانة في المستشفى، إن موظفي المستشفى يعيدون استخدام وتدوير زيوت المحركات نفسها في المولدات منذ بداية الحرب، "لأن الإمدادات الجديدة غير متوفرة".
وأضاف: "هذه الممارسة تضر بالآلات والمولدات، ولكن لا توجد بدائل. الزيوت المعدنية للمركبات والمعدات الكهربائية غير متوفرة تمامًا منذ بداية الحرب".
وتابع: "كما اضطر المستشفى إلى إيقاف تشغيل أنظمة تكييف الهواء في وحدات العناية المركزة ووحدات حديثي الولادة لتقليل الأحمال الكهربائية، حيث كان مولد واحد فقط يعمل لعدة ساعات".
وأكد الدكتور حسنين خلال المؤتمر الصحفي أن المستشفى عاد إلى وضعه السابق. وقال: "نحن نسير نحو إغلاق المستشفى بالكامل. أخشى أننا قد نضطر قريباً إلى عقد مؤتمر آخر للإعلان عن إغلاقه".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
