في تحول اقتصادي غير مسبوق فرضته الحرب وأزمة السيولة الخانقة، يشهد قطاع غزة انتقالاً متسارعاً من اقتصاد قائم على النقد الورقي إلى نمط يعتمد بشكل متزايد على وسائل الدفع الإلكتروني.
وتحولت الأوراق النقدية من وسيلة للتبادل إلى عبء يواجه الرفض والعوائق في التداول، وسط تصاعد الاعتماد على التطبيقات المالية والتحويلات الرقمية كخيار شبه إجباري لمواصلة الحياة الاقتصادية.
وقال الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، في تصريح تابعته "وكالة سند للأنباء"، اليوم الخميس، إن هذا التحول لم يكن نتيجة تطور طبيعي في البنية المالية، بل فرضته ظروف استثنائية ناجمة عن الحرب والأزمة النقدية المتفاقمة في القطاع.
وأوضح "أبو قمر" أن النقود الورقية كانت خلال الأشهر الماضية الوسيلة الأكثر طلباً في السوق، فيما اضطر المواطنون إلى دفع عمولات مرتفعة عبر عمليات "التكييش" وصلت أحياناً إلى نصف قيمة المبلغ للحصول على السيولة النقدية.
وأشار إلى أن الأسواق تشهد اليوم حالة نفور متزايدة من التعامل بالنقد، في انعكاس واضح لتراجع وظيفة المال كوسيلة للتبادل، حيث لم تعد الأزمة مرتبطة بندرة السيولة فقط، بل بانخفاض قبولها بين المتعاملين.
وأضاف أن انتشار الأوراق النقدية التالفة، وأزمة الفكة، ورفض بعض الفئات النقدية أو اشتراط سلامتها الكاملة، كلها عوامل أضعفت كفاءة التعامل النقدي ورفعت تكلفته على المواطنين والتجار.
وفي المقابل، بات الدفع الإلكتروني يوفر مزايا عملية للتجار، أبرزها سهولة إنجاز المعاملات وتجنب مخاطر الاحتفاظ بالنقد وصعوبة تصريفه.
وساهم توسع استخدام التطبيقات المالية والتحويلات الرقمية في تعزيز الثقة بهذا النمط من التعاملات رغم استمرار بعض التحديات التقنية والمصرفية.
وحذر الباحث الاقتصادي من أن هذا التحول يحمل في طياته مخاطر اقتصادية واجتماعية، إذ لا تزال شريحة واسعة من المواطنين تعتمد على الرواتب النقدية أو تفتقر إلى القدرة على الوصول السهل للخدمات الإلكترونية.
وأكد أن استمرار غياب الحلول لأزمة النقد الورقي قد يفاقم الانقسام بين الاقتصاد النقدي والاقتصاد الرقمي، ويخلق فجوات إضافية بين فئات المجتمع المختلفة.
وشدد على أن ما تشهده غزة اليوم ليس مجرد تغير في وسائل الدفع، بل إعادة تشكيل كاملة للعلاقات المالية داخل السوق تحت ضغط حرب الإبادة والأزمة النقدية.
ولفت أبو قمر إلى أن هذا التحول قد يترك آثاراً طويلة الأمد على سلوك المستهلكين والتجار وعلى بنية النظام الاقتصادي بأكمله.
ونبه إلى أن المؤشرات الاقتصادية تعكس حجم الأزمة بوضوح، إذ تباع بعض السلع بأسعار تتجاوز قيمتها الطبيعية بأكثر من 300%.
وبيّن أن أزمة السيولة تجاوزت حدود نقص النقد لتصل إلى انهيار عميق في وظيفة المال داخل الاقتصاد، بعدما فقد السوق قدرته على توليد الدخل وتدوير النقد نتيجة الحرب والقيود المفروضة، ما أدخل الاقتصاد في حالة شلل شبه كامل.
وأوضح أن الحصول على السيولة النقدية بات معركة يومية ترتبط بإمكانية البقاء وتلبية الاحتياجات الأساسية أكثر من ارتباطها بالنشاط الاقتصادي التقليدي.
ويعاني اقتصاد غزة اختلالاً هيكلياً عميقاً، إذ يعتمد بأكثر من 80% على الاستيراد مقابل انهيار شبه كامل للإنتاج المحلي، ما يجعله غير قادر على توليد سيولة داخلية كافية.
وبحسب تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي، تجاوزت معدلات البطالة في قطاع غزة 77%، فيما ارتفعت معدلات الفقر إلى أكثر من 85% من السكان، وسط اعتماد شبه كلي على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للطلب في الأسواق.
