تشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعدًا غير مسبوق في عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية، بالتوازي مع توسع استيطاني متسارع ومخططات إسرائيلية تستهدف فرض وقائع جديدة على الأرض.
وبينما تتذرع سلطات الاحتلال بعدم الترخيص، يرى مختصون أن ما يجري يتجاوز الإجراءات الإدارية ليشكل سياسة ممنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والجغرافي في الضفة الغربية، وتقويض فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وتزامن تسارع عمليات الهدم خلال الأشهر الأخيرة مع تصاعد مخططات الضم والاستيطان، وتوسيع صلاحيات المؤسسات الإسرائيلية العاملة في الضفة الغربية، في وقت يحذر فيه خبراء من أن هذه الإجراءات تمثل مرحلة متقدمة من فرض السيادة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية.
سياسة ممتدة منذ عقود
يقول مدير مركز أبحاث الأراضي في نابلس، محمود الصيفي، إن سياسة هدم المنازل في الضفة الغربية المحتلة تأتي في إطار نهج حكومي إسرائيلي ممنهج بدأ منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967.
ويضيف "الصيفي" في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء، أن سياسة هدم المنازل في الضفة الغربية المحتلة، تأتي في سياق سياسة حكومية ممنهجة منذ احتلال الضفة عام 1967؛ "تهدف هذه السياسة لفرض وقائع ديموغرافية وجغرافية على الأرض".
ويتابع: "هذه السياسة تمنع الفلسطينيين من البناء، فالبناء بحاجة لتراخيص وهذا الأمر أصبح بعيد المنال، لأن الاحتلال لا يعطي أي إذن للترخيص في المناطق المصنفة ج".
ويوضح الصيفي، أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منعت الفلسطينيين من البناء في المناطق المصنفة "ج" منذ توقيع اتفاقية أوسلو عام 1995، رغم أن هذه المناطق تشكل النسبة الأكبر من مساحة الضفة الغربية.
ويقول: "بعد اتفاقية أوسلو، منعت حكومات الاحتلال المتعاقبة منذ عام 1995 الفلسطينيين من البناء في مناطق ج، والتي تقع تحت سيطرة الاحتلال الكاملة، وتبلغ مساحتها 61% من أراضي الضفة الغربية".
ويكمل: "مساحة الضفة 5600 كيلو متر مربع، مما يعني أن الاحتلال يمنع الفلسطينيين من البناء في مساحة 3400 كيلو متر مربع من الضفة الغربية، أي ثلثي الضفة، حيث يُمنع البناء دون ترخيص، علمًا أن الترخيص من قبل الاحتلال أصبح مستحيلاً".
أرقام متصاعدة بعد السابع من أكتوبر
ويرى الصيفي أن وتيرة الهدم شهدت تصاعدًا ملحوظًا بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، خاصة في مخيمات شمال الضفة الغربية.
ويردف: "الاحتلال نفذ عمليات هدم كبيرة خاصة بعد 7 أكتوبر، وهدم أحياء كبيرة من المخيمات بالضفة، في مخيم جنين وطولكرم ونور شمس".
وبحسب إحصاءات اللجان الفلسطينية والدولية تجاوزت عمليات الهدم 4 آلاف منزل، في حين هدم الاحتلال في السنوات الخمس الأخيرة أكثر من 5 آلاف منزل بالضفة الغربية وقطاع غزة، يضاف إليها الـ4 آلاف في المخيمات، وفق الصيفي.
من الهدم إلى فرض السيادة
ويعتبر "ضيف سند"، أن تسارع عمليات الهدم يرتبط بشكل مباشر بالمشاريع السياسية التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية، وفي مقدمتها فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
ويقول: "تسارع عمليات الهدم بالضفة ليست بعيدة عن الهدف المعلن لفرض السيادة القانونية للاحتلال على الضفة".
ويلفت إلى أن وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، توعد مرارًا بهدم منازل الفلسطينيين في مناطق (أ) و(ب)، إضافة لإنشاء وحدة من حرس الحدود لفرض قوانين البناء في الضفة، وهذا سيطال مناطق (أ) و(ب) أيضًا.
وفي الآونة الأخيرة أعلن أيضًا سموتريتش إلغاء اتفاقية الخليل، وبالتالي ستبدأ قوانين الاحتلال بالسريان على مناطق الخليل، خاصة البناء والتنظيم، تبعًا لضيفنا.
الاستيطان مقابل تقييد البناء الفلسطيني
ويلفت الصيفي النظر إلى ما وصفه بـ "التناقض" بين منع البناء الفلسطيني والتوسع الاستيطاني المتواصل.
ويقول: "وسط هذه الإجراءات والتدمير لمنازل الفلسطينيين على مدار السنوات الماضية، يدل أن الاحتلال ماض في سياسة الهدم ومنع البناء، بالمقابل الاحتلال وحكومة نتنياهو صادقت منذ مجيئها على أكثر من 97 ألف وحدة استيطانية في مستوطنات الضفة الغربية بما فيها القدس".
ويردف: "هذه سياسة واضحة، بهدف تفريغ الأرض الفلسطينية، وخاصة مناطق ج، والتي نطلق عليها السفوح الشرقية، وهي نسبة عالية من مساحة الضفة".
ويحذر الخبير في شؤون الاستيطان، من أن المخططات الاستيطانية الجديدة تشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبل الدولة الفلسطينية.
ويتابع: "هذا الخطر الذي يحدق بمستقبل القضية الفلسطينية، والذي يهدف سموتريتش وحكومته العنصرية إلى تصفية القضية من خلال مخططات الهدم والبناء الاستيطاني".
ومؤخرًا، تم التوقيع على تنفيذ E1، وهذا المخطط سيجري من خلاله بناء أكثر من 3400 وحدة استيطانية ستفصل وتقطع أوصال الضفة الغربية وشمالها عن جنوبها، تبعًا لحديث ضيفنا.
التهجير القسري وتفكيك التجمعات الفلسطينية
ويربط الصيفي بين عمليات الهدم وسياسات التهجير القسري التي تستهدف التجمعات الفلسطينية في المناطق المصنفة (ج).
ويقول: "خلال الشهور الخمسة الأخيرة، هجر الاحتلال أكثر من 370 عائلة فلسطينية من مناطق ج، كما هجر أكثر من 25 تجمعًا فلسطينيًا بالضفة".
ويرى الباحث، أن معادلة التهجير مع منع البناء والهدم والاستيلاء على الأراضي، يقابلها عنف وإرهاب المستوطنين وسرقة المواشي الفلسطينية وتدمير الزراعة الفلسطينية.
ويضيف: "هذا المشهد المؤلم الذي يشاهده الفلسطيني بشكل يومي، ففي كل لحظة هناك هجمات للمستوطنين واقتحامات لجيش الاحتلال إضافة للهدم والاعتقالات، وما يجري هو حرب شاملة تشن على الضفة الغربية، إضافة لما يجري في غزة من اغتيالات وعمليات تدمير لما تبقى من القطاع".
ثلاثة مسارات وراء التصعيد
من جهته، يرى الباحث والكاتب محمد القيق، أن تسارع عمليات الهدم والمصادرة والاستيطان يأتي ضمن استراتيجية إسرائيلية متعددة الأهداف.
ويقول: "الهدف الاستراتيجي للاحتلال في تسريع الهدم والمصادرة وحتى البناء وفتح الطرق الاستيطانية الجديدة، يأتي في ثلاثة مسارات، الأول: مسار الردع الاستراتيجي، وتحقيقه ضرورة بالنسبة للاحتلال بأن هناك حالة ضعيفة وهي الضفة الغربية، مع احتمالية عودة الحرب لغزة أو سوريا".
ويوضح: إسرائيل تبحث عن مدخل لإشغال المجتمع الإسرائيلي ولإشغال الساحة الدولية بأن هناك توترًا بالمنطقة، وبالتالي الضفة الغربية من المناطق المرشحة لذلك".
استكمال مشاريع الضم
أما المسار الثاني، فيرى القيق أنه يرتبط بالتعامل الإسرائيلي مع الضفة الغربية باعتبارها جزءًا من المشروع الاستيطاني الإسرائيلي.
ويقول: "الاحتلال يعتبر الضفة الغربية بأنها ليست أرضًا فلسطينيًا وليست للفلسطينيين، والسلوك هذا يذكرنا بصفقة القرن وخطة الضم التي صادق عليها دونالد ترامب، وكأن هناك بطريقة غير مباشرة توافقًا ضمنيًا ما بين ترامب ونتنياهو باستكمال خطة القرن في الحدود الموجودة حاليًا على أن يتم استكمالها لاحقًا بعد الفشل العسكري في غزة ولبنان وإيران".
تقويض حل الدولتين
أما المسار الثالث، وفق القيق، فيتمثل في تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
ويوضح: "هناك رسالة واضحة، بأن إسرائيل ترغب بأن يكون للفلسطينيين تجمعات وليست دولة ذات سيادة، وهذا بمضمونه كسر للقواعد الدولية وانهيار لمنظومة حل الدولتين أو حتى دولة فلسطينية قابلة للحياة، أو حتى وجود سيادة فلسطينية".
لذلك؛ في هذه المسارات الثلاثة تُستخدم قطعان المستوطنين وقوات جيش الاحتلال وقرارات الكنيست ويصرون عليها، تبعًا لحديث القيق.
وينوّه: "ليس عبثًا أن يُخلق في كل تلة في فلسطين مستوطن، فهي قرارات منظمة، بالتزامن مع القرارات التي تصدر من الجيش بالمصادرة والهدم، وهذا كله يؤكد أن المسارات الثلاثة تعيشها إسرائيل الآن والمنطقة الخصبة بالنسبة لهم هي الضفة الغربية".
ووثقت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، 1659 اعتداءً نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين خلال شهر أيار/مايو الماضي، بينها 1108 اعتداءات نفذها جيش الاحتلال.
وأضافت الهيئة أن سلطات الاحتلال نفذت خلال الشهر ذاته 70 عملية هدم طالت 155 منشأة، من بينها 39 منزلاً مأهولاً، ومنزلان غير مأهولين، و99 منشأة زراعية، إضافة إلى 8 منشآت تشكل مصادر رزق للمواطنين.
وتركزت عمليات الهدم في محافظات قلقيلية بـ57 منشأة، والقدس بـ50 منشأة، والخليل بـ14 منشأة، وبيت لحم بـ11 منشأة، ورام الله والبيرة بـ12 منشأة.
