سلطت صحيفة الغارديان البريطانية الضوء على التصاعد غير مسبوق في استهداف الاحتلال الإسرائيلي للأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة وتعمد دولة الاحتلال الإفلات من العقاب على الساحة الدولية.
وأشارت الصحيفة إلى ما كشفه تقرير جديد لمنظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان عن ارتفاع غير مسبوق في أعداد الأطفال الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص قوات الاحتلال في الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مؤكداً أن هذه الحوادث تعكس سياسة تسمح باستخدام القوة المميتة بحق الفلسطينيين دون مساءلة فعلية.
وبحسب التقرير، فإن القوات الإسرائيلية قتلت 235 طفلاً ومراهقاً فلسطينياً في الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على غزة، إضافة إلى خمسة أطفال آخرين قتلوا على يد مستوطنين إسرائيليين.
ويأتي ذلك في وقت تتواصل فيه الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني، بينهم نحو 21 ألف طفل.
طفولة بلا حماية
ركز التقرير، الذي حمل عنوان "طفولة بلا حماية"، على حالات قتل 54 طفلاً فلسطينياً خلال عام 2025 وحده، معتبراً أن هذه الوقائع تمثل جزءاً من نمط متكرر في تعامل قوات الاحتلال الإسرائيلي مع الفلسطينيين في الضفة الغربية.
وقال المدير التنفيذي لمنظمة "بتسيلم"، يولي نوفاك، إن عمليات قتل الأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية ليست حوادث منفصلة، وإنما نتيجة لسياسة أوسع تسمح باستخدام القوة القاتلة ضد الفلسطينيين دون محاسبة. وأضاف أن المنظومة القائمة "لا تحمي مطلقي النار فحسب، بل تمنحهم عملياً رخصة للقتل".
وأشار نوفاك إلى تصريحات منسوبة إلى قائد القيادة المركزية في الجيش الإسرائيلي اللواء آفي بلوث، قال فيها إن الجيش "يقتل كما لم يقتل منذ عام 1967"، بينما رفضت "بتسيلم" تصريحات أخرى نسبت إليه قال فيها إن 96 بالمئة من القتلى كانوا متورطين في أعمال مقاومة، مؤكدة أن مراجعتها لحالات الأطفال الذين استشهدوا خلال عام 2025 لم تجد دليلاً على أن أياً منهم كان يشكل تهديداً أو ينتمي إلى فصائل مقاومة.
نمط متكرر في استهداف الأطفال
استعرضت صحيفة الغارديان عدداً من الحالات التي اعتبرها دليلاً على نمط متكرر في استهداف الأطفال.
ومن بين تلك الحالات، قضية الطفل محمد الحلاق، البالغ من العمر تسع سنوات، الذي استشهد في بلدة الريحية جنوب الخليل في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وتقول عائلته إنه كان يلعب مع أطفال آخرين قرب مدرسته عندما وصلت مركبات عسكرية إسرائيلية إلى المنطقة، قبل أن يطلق أحد الجنود النار، ما أدى إلى إصابته بجروح قاتلة.
وروت والدته تفاصيل يومه الأخير، مشيرة إلى أنه كان سعيداً بحقيبة مدرسية جديدة حصل عليها من مدرسته، قبل أن يخرج للعب مع أصدقائه، مؤكدة أن إصابته جاءت أثناء وجوده بالقرب من المدرسة، وأن محاولات إسعافه تعرقلت بسبب استمرار إطلاق النار واستخدام الغاز المسيل للدموع، بحسب روايتها.
كما تناول التقرير قضية الطفلة ريماس عموري، البالغة من العمر 13 عاماً، التي استشهدت في مخيم جنين للاجئين بينما كانت تلعب خارج منزل عائلتها.
وقالت عائلتها إن المنطقة لم تكن تشهد أي مواجهات وقت إطلاق النار، وإن الطفلة كانت تمارس حياتها الطبيعية مع أبناء عمومتها، بينما ذكر الجيش الإسرائيلي، في تعقيب سابق، أن جنوده رصدوا شخصاً وصفوه بالمشتبه به بالقرب من قواتهم، وأنهم أطلقوا النار بعد عدم استجابته لنداءات التوقف.
غير أن منظمة "بتسيلم" قالت إن تحقيقها خلص إلى أن الجنود كانوا على مسافة تسمح لهم بتمييز أن المستهدفة طفلة، مضيفة أن الشهود لم يسمعوا أي تحذير قبل إطلاق النار، وأن التقرير الطبي أشار إلى إصابتها برصاصة في الظهر.
وشملت الحالات أيضاً الطفلة ليلى الخطيب، البالغة من العمر عامين، التي قتلت داخل منزل عائلتها قرب جنين بعد إصابتها برصاصة في الرأس خلال عملية عسكرية إسرائيلية.
وقال أفراد من عائلتها إنهم كانوا يتناولون العشاء عندما اندلع إطلاق نار في محيط المنزل، قبل أن تخترق رصاصة الغرفة التي كانت توجد فيها الطفلة مع والدتها، ما أدى إلى وفاتها لاحقاً في المستشفى.
الإفلات من العقاب
في سياق متصل، أظهرت بيانات منظمة "يش دين" الحقوقية أن السلطات الإسرائيلية لم توجه، منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، أي اتهام إلى إسرائيلي على خلفية قتل فلسطينيين في الضفة الغربية، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية مؤشراً على استمرار الإفلات من العقاب.
كما أشار التقرير إلى نتائج لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي قالت في تقرير صدر الأسبوع الماضي إن لديها أدلة على استهداف الأطفال الفلسطينيين في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، معتبرة أن تلك الوقائع قد ترقى إلى جرائم حرب، بينما خلصت اللجنة إلى أن الانتهاكات المرتكبة في غزة تشمل أيضاً جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
وقال رئيس اللجنة، سرينيفاسان موراليدار، إن الأدلة التي جمعتها اللجنة تشير إلى أن قوات الأمن الإسرائيلية استهدفت أطفالاً فلسطينيين، مضيفاً أن الأطفال ما زالوا يتعرضون للقتل والإصابة رغم الدعوات الدولية لحمايتهم واحترام قواعد القانون الدولي الإنساني.
ويأتي التقرير في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيداً متواصلاً في العمليات العسكرية الإسرائيلية، بالتزامن مع استمرار الحرب في قطاع غزة، وسط تحذيرات متزايدة من منظمات حقوقية وأممية من اتساع نطاق الانتهاكات بحق المدنيين، ولا سيما الأطفال، ومطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، في مقابل تأكيد إسرائيل أن عملياتها تستهدف الجماعات المسلحة وأنها تحقق في أي ادعاءات تتعلق بإصابة المدنيين.
لقراءة نص التقرير كاملا على صحيفة الغارديان أضغط هنا
