تتسارع المخططات الاستيطانية الإسرائيلية في محافظة جنين شمال الضفة الغربية، وسط تحذيرات من أن إعادة الاستيطان في المنطقة لا تقتصر على إقامة مستوطنات جديدة، بل تشمل إنشاء قواعد عسكرية وبؤر استيطانية من شأنها إعادة رسم الخارطة الجغرافية للمحافظة، وعزلها عن محيطها، وإحداث تداعيات واسعة على الاقتصاد والحركة التجارية والقطاع الزراعي.
ويرى مختصون ومراقبون، أن ما يجري يمثل امتدادًا لمشروع يستهدف الضفة الغربية بأكملها، لكنه يكتسب خصوصية في جنين التي بقيت خالية من المستوطنات منذ تنفيذ خطة فك الارتباط عام 2005، قبل أن تفتح تعديلات قانونية إسرائيلية الباب أمام إعادة الاستيطان فيها.
وتأتي هذه التحذيرات في وقت كشفت فيه صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في تقرير مطول، عن مخطط إسرائيلي لإعادة الاستيطان في شمال الضفة الغربية، يشمل إعادة إنشاء 18 مستوطنة، بينها أربع مستوطنات أُخليت عقب تنفيذ خطة فك الارتباط عام 2005، إلى جانب إقامة 14 مستوطنة جديدة وثمانية معسكرات لجيش الاحتلال.
ووفق التقرير، فإن منظمات حقوقية إسرائيلية حذرت من أن التوسع الاستيطاني سيشمل شق شبكة طرق تربط بين المستوطنات الجديدة، يمر جزء منها عبر مناطق مصنفة (أ)، رغم أن دخول الإسرائيليين إليها محظور بموجب الترتيبات القائمة.
وأضافت الصحيفة أن المشروع يجري بدعم مباشر من المؤسسة العسكرية، مشيرة إلى تصريحات منسوبة لقائد المنطقة الوسطى في جيش الاحتلال، تحدث فيها عن "تغيير كبير جدًا" مرتقب في شمال الضفة الغربية، بما يعكس حجم التحول الذي تعمل "إسرائيل" على فرضه في المنطقة.
كما أشار التقرير إلى أن أحد أبرز ملامح هذا التحول يتمثل في هدم مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، وتهجير سكانها، بالتوازي مع تمركز قوات الاحتلال داخلها، وإقامة قواعد عسكرية، من بينها معسكر على تلة تشرف على مخيم جنين.
وبحسب "هآرتس"، فإن أهداف المشروع تتجاوز التوسع الاستيطاني، لتشمل تقويض اتفاقيات أوسلو، وتهيئة الأرضية لضم أجزاء من الضفة الغربية، في وقت تتقاطع فيه هذه التوجهات مع مواقف معلنة لوزراء في الحكومة الإسرائيلية، بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يدعو إلى فرض وقائع ميدانية جديدة في الضفة الغربية.
إعادة رسم خارطة جنين
يقول الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي محمد أبو علان إن المشروع الاستيطاني في محافظة جنين "قسّم المحافظة إلى أجزاء"، موضحًا أن المستوطنات تمتد من مستوطنة "حومش" وصولًا إلى "صانور" و"جانيم" و"كديم"، مع حديث عن إعادة إقامة 14 مستوطنة إضافية في شمال الضفة الغربية، سيكون جزء منها داخل محافظة جنين، إلى جانب إنشاء ثمانية معسكرات لجيش الاحتلال.
ويضيف أبو علان في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن هذه المخططات تستهدف "إعادة تشكيل الجغرافيا" في المحافظة، بحيث تصبح مناطق واسعة، من سيلة الظهر حتى شمال جنين، محاطة بالمستوطنات والمعسكرات، مشيرًا إلى أن مستوطنتي "جانيم" و"كديم" أصبحتا ملاصقتين لمدينة جنين، بالتوازي مع إقامة معسكرات عسكرية في محيط المدينة ومخيمها.
وبحسب أبو علان، فإن هناك تكاملًا بين البعدين العسكري والاستيطاني، إذ تؤدي القواعد العسكرية دورًا في حماية المستوطنات وترسيخ السيطرة الإسرائيلية على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي.
إلغاء "فك الارتباط".. الأساس القانوني للعودة
ويشير أبو علان إلى أن عودة الاستيطان في جنين استندت إلى إلغاء الكنيست الإسرائيلي قانون فك الارتباط لعام 2005، الذي كان قد أفضى إلى إخلاء المستوطنات الأربع في شمال الضفة الغربية.
ويؤكد أن هذا التعديل القانوني أتاح إعادة الاستيطان في مستوطنات "حومش" و"جانيم" و"كديم" و"صانور"، بما وفر الغطاء القانوني لإحياء المشروع الاستيطاني في المحافظة.
ويحذر أبو علان من أن التوسع الاستيطاني سيترك آثارًا مباشرة على الاقتصاد المحلي، خاصة القطاع الزراعي الذي يمثل ركيزة أساسية في محافظة جنين.
ويقول إن المستوطنات والمعسكرات العسكرية ستؤدي إلى مصادرة المزيد من الأراضي الزراعية، وتقييد الحركة التجارية، وفرض حصار على المدينة بذريعة الاحتياجات الأمنية، الأمر الذي سيدفع المواطنين إلى تجنب الوصول إليها، ويؤثر في حركة الأسواق والقطاعات التجارية والإنتاجية.
ويضيف أن محافظة جنين ستكون من أكثر المحافظات تضررًا مقارنة بغيرها، بسبب اعتمادها الكبير على الزراعة، فضلًا عن تأثير ذلك في المؤسسات الرسمية والأهلية ومختلف الأنشطة الاقتصادية.
استهداف المحافظة الوحيدة الخالية من المستوطنات..
من جانبه، يرى المحلل السياسي نزار نزال، من جنين، أن الهدف المركزي للمخططات الإسرائيلية هو استهداف المحافظة الوحيدة في الضفة الغربية التي بقيت خالية من المستوطنات بعد خطة فك الارتباط.
ويقول نزال لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الحكومة الإسرائيلية، بقيادة أحزاب اليمين، تعمل على العودة إلى المستوطنات التي أُخليت عام 2005، بالتوازي مع إنشاء مستوطنات وبؤر استيطانية جديدة في مناطق مختلفة من المحافظة.
ويشير إلى وجود مخططات لإقامة بؤر استيطانية في منطقة دوتان شرق قباطية، وأخرى جنوب جنين، إلى جانب مشاريع استيطانية قرب بلدتي كفريت واليامون.
قواعد عسكرية في قلب المدينة
ويلفت نزال إلى أن المخططات لا تقتصر على الاستيطان المدني، وإنما تشمل إقامة قواعد عسكرية في مواقع استراتيجية، بينها قاعدة قرب بلدة عرابة للسيطرة على الطريق الالتفافي الواصل بين جنين والزبابدة.
ويضيف أن الاحتلال يسعى أيضًا إلى نقل نموذج الاستيطان المطبق في مدينة الخليل إلى جنين، عبر إنشاء قاعدة عسكرية داخل حي الجابريات في قلب المدينة، على مساحة تقدر بنحو سبعة دونمات، إلى جانب قواعد أخرى شرق المدينة.
ويرى أن هذه المشاريع ستؤدي إلى فصل مدينة جنين عن القرى والتجمعات المحيطة بها، وإحكام الطوق العسكري حولها.
إعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا
ويعتبر نزال أن "إسرائيل" تعمل على إعادة هندسة محافظة جنين جغرافيًا وديموغرافيًا، بما يشمل تغيير الواقع السكاني وشبكة التواصل بين المدينة ومحيطها.
ويقول إن المرحلة المقبلة ستشهد وجودًا متزامنًا للمستوطنات المدنية، والقواعد العسكرية، والمزارع الرعوية للمستوطنين، الأمر الذي سيقود إلى مزيد من تقطيع أوصال المحافظة، وإضعاف الاقتصاد المحلي، وتقييد الحركة، والتأثير في قطاعات الزراعة والتعليم والتجارة.
قباطية ومرج ابن عامر.. خسائر تتفاقم
ويشير نزال إلى أن بلدة قباطية تضم أكثر من 200 منشأة صناعية، تشمل مصانع حجر وكسارات ومصانع إسفلت، ما يجعلها من أبرز المراكز الاقتصادية في المحافظة.
ويضيف أن مرج ابن عامر تعرض خلال الفترة الماضية لأضرار واسعة نتيجة اعتداءات المستوطنين، في وقت تتواصل فيه محاولات السيطرة على الأراضي الزراعية، واقتلاع الأشجار، وردم الآبار، إلى جانب فرض قيود على مستلزمات الإنتاج الزراعي، وهو ما ينعكس على القطاع الزراعي وحركة التسويق، خاصة باتجاه الحسبة المركزية في قباطية.
ويخلص نزال إلى أن المخططات الاستيطانية تسير في مسارين متوازيين؛ الأول جغرافي يستهدف السيطرة على الأرض وإعادة تشكيلها، والثاني ديموغرافي يستهدف التأثير في الوجود الفلسطيني، بما يؤدي إلى عزل التجمعات السكانية، وإضعاف الاقتصاد المحلي، ودفع المزيد من السكان إلى الهجرة، في إطار مشروع استيطاني أوسع يستهدف الضفة الغربية.
