اكتملت الترتيبات، وتمت حفلة الحناء ومراسم العشاء، وقبيل حفل الزفاف بساعات، اعتقلت قوات الاحتلال العريس أنس عاكف اشتية من بلدة سالم شرق نابلس، يوم الجمعة الماضي، ليحرم العائلة فرحتها، ويضع بصمته المعتادة بالتنغيص على عائلات "المطلوبين" لديه.
عائلة العريس اشتية كانت تدرك أن هدف الاحتلال من اعتقاله هو التنغيص على العائلة وابنها، فقررت إبقاء حفل الزفاف في موعده، لكنها اختصرت مظاهر الفرح لتزامن الحفل مع مجزرة بلدة تل التي راح ضحيتها أربعة شهداء وأربعة مصابين.
لم يكن اعتقال أنس حادث معزولا، فقد جاء ضمن سلسلة مضايقات بدأ الاحتلال بممارستها بحق أفراد العائلة لم تتوقف مع اعتقاله، بل امتدت لاعتقال شقيقه الرابع "صهيب" بعده بيومين.
ويشير عاكف اشتية، والد أنس، إلى أن قوات الاحتلال كثفت في الأيام الأخيرة مداهماتها لمنزلهم، وطلب منهم ضابط المنطقة في مخابرات الاحتلال تسليم نجله الأكبر "مصعب"، رغم علمه بأنه معتقل لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية في سجن الجنيد منذ قرابة الأربع سنوات.
ويصنف الاحتلال مصعب اشتية كأحد قادة ومؤسسي مجموعة "عرين الأسود" التي ظهرت في البلدة القديمة بمدينة نابلس عام 2022، ونفذت عدة عمليات إطلاق نار وتفجير عبوات ناسفة ضد الاحتلال والمستوطنين.
نية مبيّتة..
ويلفت اشتية إلى أن ضابط المخابرات الذي اقتحم منزلهم قبل يومين من موعد الزفاف، طلب لقاء أنس، ما أثار مخاوفهم من نية مبيّتة لدى الاحتلال لإفساد فرحتهم المنتظرة.
ويضيف في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "سألت الضابط: هل تريد اعتقال أنس؟ هل تريد تخريب الفرح؟ فأجاب بالنفي، لكن بعد إقامة حفل العشاء ومراسم الحناء، جاءت قوات الاحتلال فجرا واعتقلت أنس".
ولم يمض سوى يومين حتى اعتقل الاحتلال صهيب، ليصبح جميع أبناء عاكف اشتية الأربعة قيد الاعتقال.
ويكشف اشتية أن ضابط المخابرات توعدّه بالمزيد من التنكيل بالعائلة واعتقال أفرادها جميعهم، ما لم يعملوا على تسليم ابنهم مصعب.
ويضيف: "عند اعتقال صهيب، حضر ضابط مخابرات آخر، ونقل لي رسالة شفوية من ضابط المنطقة مفادها أنه يريد أن ينغّص حياتي".
ويشير إلى أنه كان يمكن أن يؤجل حفل الزفاف إلى حين الإفراج عن ابنه العريس، لكنه أصر على إجراء مراسم الحفل التي يمكن إنجازها بغياب العريس، على أن تستكمل المراسم بعد الإفراج عنه.
ضربة مؤلمة وغصّة في القلب
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها العائلة، تفهّم أنسباء العريس أنس الموقف، وأيّدوا قرار عائلته.
ويقول معتصم منصور، والد خطيبة أنس:"لا شك أنها ضربة مؤلمة من الاحتلال قبل ساعات من موعد حفل الزفاف، لكن الحمد لله على كل حال".
ويشير منصور، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن اعتقال أنس ترك غصّة في قلب ذويه كما هو حال خطيبته وأهلها أيضا، وأن تأثير الاعتقال لم يقتصر على العروسين، وإنما امتد إلى عائلتيهما الممتدتين.
ويؤكد أن الهدف كان واضحا، وهو التنغيص والانتقام من العائلة ومحيطها، وجعلهم يندمون على ما فعلوه، وهذا لن يحدث، لافتًا إلى أن العائلتين عملتا على تجاوز هذه المحنة عبر الإبقاء على ترتيبات الزفاف التي يمكن إنجازها بغياب العريس.
ويقول والد العروس: "كشعب فلسطيني، تعودنا على إجراءات الاحتلال التعسفية، وظلم الاحتلال وعدوانه ومحاولته قهر الناس والضغط عليهم بشتى الوسائل، لدفعهم إلى ترك هذه البلاد".
ويرى منصور أن هذا هو الوضع الطبيعي مع وجود الاحتلال، معتبرا أن "احتلال وهداة بال، أمرٌ مُحال".
ويضيف: "أمام هذا الحال لا بد من الصبر والثبات والصمود واللجوء إلى الله عز وجل".
عقاب جماعي..
ويفتح اعتقال أنس اشتية في يوم زفافه، ملف العقوبات الجماعية وتنغيص الحياة كأسلوب يتبعه الاحتلال للضغط على عائلات المطلوبين من أجل تسليمهم.
حيث تتعرض عائلات من يصفهم الاحتلال بـ "المطلوبين" لديه، لاعتداءات وتنكيل واعتقالات خلال مداهمة منازل أهل وأقرباء "المطلوب"، ما يحوّل حياة هذه العائلات لقلق يومي وخشية من اقتحام منازلهم واعتقال أفراد منها في كل وقت.
وفي حالة مشابهة، طبقت قوات الاحتلال السيناريو نفسه في مايو/ أيار الماضي مع عائلة أمين القوقا من نابلس، والمعتقل أيضا لدى الأجهزة الأمنية الفلسطينية في سجن الجنيد منذ 19 عاما.
وعلى مدى قرابة الشهرين، داومت قوات الاحتلال على مداهمة منزل القوقا ومنازل أقربائه في المدينة، وعاثت فيها فسادا، ولم يسلم أحد من عائلته وأقربائه بمن فيهم النساء وكبار السن، من الاعتقال والتنكيل.
وعلى مدار الأعوام القليلة الماضية، نفذت قوات الاحتلال الإسرائيلي عمليات عسكرية واسعة في الضفة الغربية، تخللها اغتيالات واعتقالات بحق المقاومين الفلسطينيين لا سيما في شمالي الضفة، أسفرت بمجملها بالقضاء على المجموعات والكتائب المقاومة، في حين تعرضت عائلات المقاومين لسلسلة من المضايقات والاعتداءات إلى جانب الاعتقالات التي طالت رجالًا ونساء وأطفالًا منهم.
