لم تعد عمليات الاستيطان في مدينة القدس المحتلة تقتصر على الاستيلاء على المنازل وتهجير أصحابها الفلسطينيين، بل امتدت إلى محاولة إعادة تشكيل هوية المكان ورموزه البصرية والدينية.
فبعد كل عملية استيلاء على عقار فلسطيني، يحرص المستوطنون على تثبيت ما يُعرف بـ "المزوزاه" على مدخل المنزل أو المبنى، في خطوة تتجاوز البعد الديني إلى رسالة سياسية تهدف إلى إعلان السيطرة وإضفاء طابع يهودي على العقارات والأحياء التاريخية، ضمن مشروع متواصل لتهويد المدينة وتغيير معالمها.
وشهدت القدس خلال الأيام الماضية واحدة من أحدث هذه الممارسات، بعدما علّق مستوطنون "مزوزاه" على مدخل عقار "الباشا" التاريخي في البلدة القديمة، عقب الاستيلاء عليه بقرار صادر عن سلطات الاحتلال.
وأعاد هذا المشهد إلى الواجهة استخدام الرموز الدينية كجزء من سياسة فرض الأمر الواقع في المدينة المقدسة.
أداة لفرض الأمر الواقع
وتُعد "المزوزاه" في الموروث الديني اليهودي، لفافة جلدية صغيرة تُكتب عليها نصوص من التوراة، وتوضع داخل علبة تُثبت على العضادة اليمنى لأبواب المنازل، اعتقادًا بأنها تجلب البركة وتحفظ أهل الدار.
غير أن استخدامها في القدس المحتلة تجاوز هذا الإطار التعبدي، إذ أصبحت تُعلق بصورة منهجية على أبواب العقارات الفلسطينية فور الاستيلاء عليها، سواء كانت منازل أو متاجر أو مباني تاريخية.
وتحولت "المزوزاه" إلى علامة بصرية تعلن انتقال العقار إلى سيطرة المستوطنين، وتمنحه طابعًا دينيًا يُستخدم لتبرير واقع استيطاني فُرض بالقوة
ولا يُعد تثبيت "المزوزاه" إجراءً دينيًا معزولًا، بل يمثل المرحلة الأخيرة من عملية تبدأ بتهجير السكان الفلسطينيين أو انتزاع العقار بقرارات قضائية إسرائيلية، وتنتهي بإظهار المبنى وكأنه جزء من المشهد الاستيطاني الجديد.
سياسة بدأت منذ احتلال القدس
ويرجع استخدام "المزوزاه" كرمز للسيطرة في القدس إلى السنوات التي أعقبت احتلال القدس من عام 1967، عندما بدأت سلطات الاحتلال والجمعيات الاستيطانية بتثبيت هذه التمائم على مواقع وأبواب ذات قيمة تاريخية ودينية.
وكان "باب النبي داود" من أوائل المعالم التي وُضعت عليها "المزوزاه"، قبل أن تمتد هذه الممارسات إلى مواقع أخرى، من بينها "باب الخليل" و"باب الأسباط".
بالتوازي مع مساعٍ متكررة لفرضها على بقية أبواب القدس التاريخية، بما فيها باب العمود، وباب الساهرة، وباب الجديد، في إطار مشروع يستهدف إعادة تشكيل المشهد التاريخي للمدينة وربطه برواية الاحتلال.
استهداف محيط المسجد الأقصى
وخلال السنوات الأخيرة، اتسع نطاق استخدام "المزوزاه" ليشمل محيط المسجد الأقصى المبارك، في خطوة أثارت رفضًا فلسطينيًا واسعًا.
ففي كانون الأول/ ديسمبر 2025، ثبت مستوطنون، بدعم من سلطات الاحتلال، "مزوزاه" عند باب القطانين، أحد أبرز أبواب المسجد الأقصى وأكثرها أهمية، وهو ما اعتُبر محاولة لإضفاء طابع ديني يهودي على أحد المداخل التاريخية المؤدية إلى الحرم القدسي الشريف.
ويرى مقدسيون أن هذه الخطوة لم تكن حادثًا منفصلًا، بل جاءت ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى تغيير الطابع الإسلامي للمكان، وفرض وقائع جديدة على الأرض بصورة تدريجية.
عقار الباشا.. أحدث حلقات التهويد
وفي الثاني والعشرين من تموز/ يوليو 2026، تصاعدت هذه السياسة مع استيلاء المستوطنين على عقار عائلة الباشا في البلدة القديمة، بعد إخلاء سكانه الفلسطينيين، قبل تحويله إلى مدرسة دينية يهودية.
ولم تمضِ ساعات على السيطرة على العقار حتى ثبّت المستوطنون "المزوزاه" على مدخله، في خطوة اعتبرها مقدسيون إعلانًا رمزيًا عن انتقال ملكية المبنى، رغم أن العقار يعود لعائلة فلسطينية عريقة، وأن السيطرة عليه جاءت بقرارات وإجراءات ترفضها المؤسسات الفلسطينية وتعدّها جزءًا من سياسة التهجير القسري.
تهويد يتجاوز الحجر إلى الهوية
ولم تعد معركة المدينة تقتصر على السيطرة على الأرض والعقارات، بل امتدت إلى الرموز والعناصر البصرية التي تشكل هوية المكان.
فكل لافتة جديدة، أو اسم يُستبدل، أو رمز يُثبت على باب منزل فلسطيني، يمثل جزءًا من مشروع أشمل يسعى إلى إعادة صياغة المشهد التاريخي للقدس، وإحلال رواية الاحتلال محل الرواية الفلسطينية المتجذرة في المدينة.
ورغم ذلك، يؤكد المقدسيون أن تثبيت "المزوزاه" أو غيرها من الرموز على العقارات المستولى عليها لا يغيّر من وضعها القانوني أو التاريخي، ولا يمنح شرعية لعمليات الاستيلاء التي تُنفذ في مخالفة للقانون الدولي.
ويعتبر المقدسيون أن هوية القدس بقيت عبر قرون مرتبطة بسكانها الأصليين، وأن محاولات تغيير ملامحها، مهما تعددت أدواتها، لن تنجح في طمس تاريخها الإسلامي أو تغيير حقيقة ملكية منازلها ومعالمها.
انتهاكات متصاعدة..
وشهدت القدس خلال يوليو/ تموز المنصرم، تصعيدًا في انتهاكات الاحتلال، طال المسجد الأقصى والمقدسيين وممتلكاتهم، وشمل إطلاق النار ووقوع شهداء وإصابات، إلى جانب الاعتقالات والإبعادات، وعمليات الهدم والتهجير والاستيلاء على الأراضي والممتلكات.
وشهد المسجد الأقصى تصعيدًا متدرجًا في الاقتحامات والانتهاكات، تزامن مع تحرك سياسي ورسمي إسرائيلي متصاعد للدفع نحو تغيير الوضع القائم في المسجد، بلغ ذروته في ذكرى ما يسمى "خراب الهيكل".
وخلال الاقتحامات التي تنفذ بشكل يومي باستثناء الجمعة والسبت من كل أسبوع، أُقيمت في المسجد الأقصى صلوات وطقوس دينية يهودية علنية وجماعية في مواقع متعددة، بحماية شرطة الاحتلال، بالتزامن مع تشديد القيود على وصول المصلين المسلمين.
