في ظل الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة التي تواجه الشعب الفلسطيني، تبرز أزمة تكدّس نقد الشيقل في البنوك كإحدى أعقد الأزمات المالية.
القضية لم تعد مجرد تفصيل مصرفي أو إجرائي بين سلطة النقد الفلسطينية والبنوك الإسرائيلية، بل تحوّلت إلى أداة ضغط سياسي واقتصادي مسّت شريان الاستيراد وتوفير السلع الأساسية.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي جعفر صدقة أبعاد هذه الأزمة وتداعياتها المباشرة على معيشة المواطنين، مؤكدًا في حوار مع "وكالة سند للأنباء" أن القضية تتحول تدريجيًا من خانة الأزمات المصرفية الفنية إلى مربع التضييق المعيشي المباشر.
حصار عبر تعطيل السيولة
يحذر صدقة من أن أزمة تكدّس الشيقل تجاوزت حدود الإجراءات البنكية لتصبح شكلاً صادمًا من أشكال "هندسة التجويع"؛ إذ لا يقتصر التجويع فقط على منع شاحنات المساعدات ماديًا أو إغلاق المعابر التجارية، بل يُفرض أيضًا من خلال شل قدرة الاقتصاد المحلي على شراء السلع وتغطية فواتير استيرادها.
ويقول إنّ البنوك الفلسطينية تعمل كواسطة مالية أساسية لتمويل عمليات التجارة الخارجية؛ وإضعاف قدرتها على تحويل النقد المتراكم لديها إلى أرصدة رقمية قابلة للتسوية مع الموردين في الخارج يعني منع الفلسطيني عمليًا من امتلاك القدرة المالية على إدخال السلع وشراء الاحتياجات.
وتكتسب هذه السياسة خطورة أكبر في ظل الارتفاع الملحوظ في معدلات الفقر والبطالة وتراجع الإنتاج المحلي، مما يجعل غالبية الأسر أكثر اعتمادًا على الأسواق لتأمين الغذاء والدواء والوقود.
خدعة الوفرة.. الفارق بين الكاش والسيولة الرقمية
يوضح صدقة ضرورة التمييز الدقيق بين النقد المتراكم في الخزائن والسيولة المصرفية القابلة للتوظيف والتداول؛ فوجود مليارات الشواقل لدى المصارف لا يعني وجود وفرة مالية حقيقية، بل يعكس اختلالاً هيكليًا حادًا.
إذ تمتلك البنوك أوراقاً نقدية فعلية داخل خزائنها، لكنها تفقد في المقابل الأرصدة الرقمية اللازمة لتسوية المدفوعات الخارجية وتمويل التجارة عبر الحدود.
ويعتقد أنّ أسوأ سيناريو قد يواجهه أي نظام مصرفي هو الاحتفاظ بكميات ضخمة من النقد الورقي المعطل؛ فهذه الأموال لا تحقق أي عائد استثماري، وتفقد جزءًا من قيمتها الحقيقية بمرور الوقت بفعل التضخم، فضلاً عن تحميل البنوك كلفاً أمنية وتأمينية باهظة.
وبالتالي، يضيف صدقة، أنّ يحتفظ قد البنك بمليارات الشواقل كاش، لكنه يظل عاجزًا عن استخدامها لتسديد فاتورة مستوردات لشركة خارجية تطلب تسوية عبر حسابات رقمية أو بالعملة الصعبة.
وفقًا لبيانات البنك الدولي، أدت القيود المفروضة على نقل فائض النقد إلى "إسرائيل" إلى تراكم نحو 16 مليار شيقل لدى المصارف الفلسطينية حتى نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2025.
وتتجاوز خطورة هذا الرقم الميزانيات العمومية للبنوك لتصيب عمق الاقتصاد الفلسطيني المعتمد بدرجة رئيسة على الخارج لاستيراد الاحتياجات الأساسية.
ويُوضّح الخبير الاقتصادي أن الأوراق النقدية التي تُعيد البنوك الفلسطينية شحنها إلى البنوك الإسرائيلية، لا تُرحّل كأموال جامدة، بل تُحوّل في الأصل إلى أرصدة رقمية تُستخدم لتغطية وتصفية التزامات التجار والمستوردين الفلسطينيين في التعاملات الخارجية.
وبالتالي، فإن إغلاق هذه الدورة بفعل رفض الجانب الإسرائيلي استقبال فائض الشيقل لا يضرب النظام المصرفي فحسب، بل يصيب العصب المالي لعمليات التجارة والاستيراد.
من رفوف البنوك إلى جيب المواطن
أمام هذا الانسداد، ستجد البنوك نفسها مُضطرة تدريجيًا إلى فرض حدود قصوى على قبول الإيداعات النقدية، وتشييد شروط تمويل التجار والمستوردين.
هذا التضييق سيرفع بالضرورة كلفة الاستيراد ويُقلّص كميات السلع المتاحة في الأسواق، لتصل النتيجة النهائية إلى المواطن مباشرةً؛ عبر ارتفاع متواصل في الأسعار، وتآكل في القدرة الشرائية للأسر، وركود حاد يضرب النشاط التجاري المحلي، يقول صدقة.
جذور المشكلة!
يرجع صدقة جذور المشكلة إلى البنية التي فرضها بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994، والذي كرّس استخدام الشيقل الإسرائيلي كعملة رئيسة في السوق الفلسطينية دون منح الفلسطينيين سلطة نقدية كاملة أو عملة وطنية مستقلة.
ويقول إنّ "الاتفاق ربط المعاملات الخارجية وحركة التسويات بالموافقة الإسرائيلية، ورغم أنه ينظم عمليات المقاصة لضمان انسياب النقد، إلا أن إسرائيل وضعت سقوفاً وضوابط منذ البداية".
ومع النمو الطبيعي للأنشطة الاقتصادية وارتفاع حجم الودائع والأجور عبر السنوات، تضخمت كميات الشيقل الداخلة للسوق دون أن ترافقها زيادة في السقوف المسموح بنقلها إلى المصارف الإسرائيلية. ومع الوقت، تحولت هذه القيود الفنية إلى أداة ابتزاز سياسي واضح يهدف للتضييق على المؤسسات المالية الفلسطينية.
ترافقت أزمة فائض الشيقل مع قرار الاحتلال المتمثل باقتطاع ووقف تحويل أموال المقاصة الفلسطينية بالكامل منذ مايو/ أيار 2025 (بحسب البنك الدولي)، ما وسع الفجوة التمويلية للسلطة الفلسطينية ودفعها لزيادة الاقتراض وتراكم المتأخرات وعجزها عن دفع الرواتب كاملة.
يرى صدقة أن تقاطع حجز المقاصة مع تكدّس النقد وتقييد المعاملات المصرفية يشير إلى الانتقال من خلاف مالي عابر إلى "حرب اقتصادية شمولية"؛ حيث تُستغل الأدوات المصرفية والمالية لتحقيق أهداف سياسية واجتماعية تنعكس المباشرة على الموظفين، والموردين، والقطاع الخاص، والقدرة المعيشية للمواطنين.
التحكم بالسيولة.. فصل بين الضفة وغزة
من أبرز الاختلالات الصارخة التي ظهرت خلال الأزمة، التفاوت والمفارقة الميدانية في توزيع السيولة بين الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه خزائن البنوك بالضفة من تكدّس وفائض ضخم من أوراق الشيقل النقدية، يعاني قطاع غزة في المقابل من نقص حاد وخانق في "الكاش"، ما أجبر المواطنين هناك على دفع عمولات مرتفعة للحصول على أوراق نقدية أو تحويل أرصدتهم الرقمية.
ويؤكد صدقة أن النظام المصرفي الفلسطيني يُفترض به العمل ككتلة واحدة تسمح بنقل السيولة من مناطق الفائض إلى مناطق النقص، لكن القيود الإسرائيلية على حركة الأشخاص والأموال منعت تحقيق هذا التوازن، بهدف واضح يستهدف تكريس الفصل الاقتصادي والجغرافي بين غزة والضفة وتحويل كل منهما إلى دورة نقدية معزولة.
ولتفادي تداعيات أكثر خطورة، يشدد صدقة على ضرورة وجود تدخل دولي عاجل يلزم الجانب الإسرائيلي باستقبال فائض الشيقل وفق آلية دورية وثابتة ترتبط بالحجم الفعلي للتجارة والدورة الاقتصادية الفلسطينية، بعيدًا عن الشحنات الاستثنائية والقرارات السياسية المتغيرة.
ويدعو إلى حماية شبكة العلاقات المصرفية المراسلة من الضغوط والابتزاز، وإيجاد قنوات بديلة للتسويات الخارجية، إلى جانب التوسع في أنظمة الدفع الإلكتروني.
ويُجدد التأكيد على أن الحلول الرقمية تظل أدوات مساعدة وليست بديلاً عن حل أصل المشكلة؛ فترك مليارات الشواقل معطلة في الخزائن يهدد بتحويل الأزمة المالية إلى كوارث معيشية أعمق تطال القوت اليومي، والأدوية، وصمود المواطن على أرضه.
