عاد الفلسطيني الأميركي لؤي أبو ريدة من ولاية أوهايو إلى بلدة قصرة في الضفة الغربية المحتلة، بعدما عجز عن مواصلة مراقبة الهجمات التي استهدفت منزله عن بُعد، وقرر البقاء فيه إلى جانب أفراد عائلته في محاولة لمنع المستوطنين الإسرائيليين من الاستيلاء عليه.
وكان أبو ريدة يتابع من على بعد أكثر من 10 آلاف كيلومتر تسجيلات كاميرات المراقبة التي توثق هجمات المستوطنين على منزله في قصرة، قبل أن تتصاعد المضايقات في وقت سابق من أغسطس/آب، عندما حاصر مستوطنون مسلحون المنزل ونصبوا خياماً خارجه في محاولة لإجبار السكان على الخروج.
وقال أبو ريدة لموقع ميدل إيست آي البريطاني: "شاهدت ذلك مباشرة عندما بدأوا بمحاصرة المنزل ونصب الخيمة أمامه".
وحاول في البداية تقديم المساعدة من ولاية أوهايو، فطلب من شقيقه الموجود داخل المنزل الاتصال بالشرطة، كما تواصل مع مسؤولين ومشرعين أميركيين، لكن عدم حدوث تغيير دفعه إلى حجز رحلة إلى قصرة، حيث نشأ وبنى المنزل الذي كان يراه منزل أحلامه.
وقال لأخيه: "أتعلم، أنا متعب. لا أستطيع النوم وأنا أشاهد كاميرات المراقبة تبث مباشرة. سأحجز رحلتي. سآتي لأدعمك. سأكون معك في نفس المنزل. سأفعل كل ما يلزم لتوفير الطعام لك وإنهاء الحصار".
الحلم يتحول إلى كابوس
يقول أبو ريدة الموجود الآن داخل المنزل المحاصر، إنه مصمم على حمايته ومنع المستوطنين من الاستيلاء عليه.
وتمثل قصرة، الواقعة جنوب شرق نابلس، بالنسبة إلى أبو ريدة أكثر من مجرد مكان لبناء منزل. فهي مسقط رأسه ومكان دراسته، ولا تزال والدته وإخوته وأبناء عمومته وأصدقاؤه يعيشون فيها.
وقال: "لديّ مشاعر كثيرة مرتبطة بالقرية". وعلى الرغم من إقامته وعمله في أوهايو مع زوجته وابنتيه، البالغتين من العمر 10 و19 عاماً، كان يزور قصرة مرة أو مرتين أو حتى ثلاث مرات سنوياً.
وقال أبو ريدة إنه قرر بناء "منزل أحلامي، منزل العطلات الخاص بي، في قصرة، حتى تتمكن زوجتي وأولادي من زيارتي والاستمتاع به"، مضيفاً: "لكن هذا الحلم تحول إلى كابوس بالنسبة لنا".
وبدأ هذا الكابوس في يناير/كانون الثاني، بعد نحو ثلاث سنوات من بدء بناء المنزل، عندما بدأ المستوطنون بمهاجمة الممتلكات بصورة متكررة ومضايقة شقيقه المقيم فيه.
وقال أبو ريدة: "لقد شهدت جميع الهجمات"، مستذكراً الحوادث من خلال تسجيلات كاميرات المراقبة الخاصة به.
عدوان مستمر من المستوطنين
في مايو/أيار، شاهد أبو ريدة نحو 15 مستوطناً وهم يرمون الحجارة على شقيقه بينما كان داخل المنزل.
ثم، في التاسع من أغسطس/آب، لاحظ تطوراً جديداً، بعدما أحضر المستوطنون خياماً وأقاموا مخيماً حول العقار، ما أدى إلى منع الناس من الدخول أو الخروج منه.
وأثار المشهد قلقه، خصوصاً بعدما كانت عائلة الطباسي في بلدة جالود المجاورة قد تعرضت قبل أسابيع لحصار مماثل. فقد انقطعت الكهرباء والمياه عن العائلة، وأغلقت الطرق المؤدية إلى منزلها، قبل أن يقتحم المستوطنون المنزل بعد خمسة أيام ويجبروا السكان على الخروج تحت تهديد السلاح. ومنذ ذلك الوقت، استولى المستوطنون على المنزل ورفعوا العلم الإسرائيلي على سطحه.
وتصاعدت هجمات المستوطنين على الفلسطينيين، بما في ذلك التهجير القسري من المنازل، بصورة حادة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023. ووفق بيانات الأمم المتحدة، نزح أكثر من 6000 فلسطيني قسراً في الضفة الغربية المحتلة بسبب هجمات المستوطنين منذ يناير/كانون الثاني 2023.
"لقد انحازوا إلى جانب المستوطنين"
خوفاً من أن يكون منزله الهدف التالي، تحرك أبو ريدة سريعاً. وفي البداية طلب من شقيقه الاتصال بالشرطة.
وبعد أيام، وبعد أن حظي الحصار باهتمام إعلامي دولي وإدانات واسعة، وصل الجيش الإسرائيلي إلى قصرة، وأعلن بدء عملية لإخراج المستوطنين ومنع وقوع اشتباكات بينهم وبين الفلسطينيين.
لكن أبو ريدة قال إن ما حدث على الأرض كان مختلفاً. وقال: "عندما تم إرسال الجيش، انحازوا إلى جانب المستوطنين. ذهبوا إلى خيمتهم، وأقاموا الصلوات معهم، واحتفلوا".
كما أعلن الجيش الإسرائيلي أن قصرة منطقة عسكرية مغلقة، ومنع غير المقيمين من دخولها. وقال أبو ريدة: "إنه كابوس. لا نستطيع النوم ليلاً. علينا أن نبقى متيقظين".
وأضاف أن الجنود لم يخرجوا المستوطنين من المنطقة، بل ساعدوا عملياً في استمرار الحصار ومنعوا السكان من الدخول والخروج بحرية، بما في ذلك محاولات إيصال الطعام إلى العائلات المحاصرة.
وقال: "هذا جنون. لا يوجد سوى 10 إلى 15 مستوطناً. إذا كان الجيش يريد التخلص منهم حقاً، فليعتقلهم ببساطة، ويخرجهم من المنطقة، وبذلك تُحل المشكلة".
وأضاف: "يقولون في الأخبار إنهم يرسلون الجيش لحماية السكان وإزالة المستوطنين الإسرائيليين، لكن هذا ليس ما يحدث على أرض الواقع".
كما تواصل أبو ريدة مع السفارة الأميركية في القدس ومكتب ممثلته في ولاية أوهايو، عضوة الكونغرس مارسي كابتور، وقال: "أخبرتهم أنني مواطن أميركي، ومنزلي محاصر. أحتاج إلى المساعدة".
وأكد أن السفارة ومكتب كابتور استجابا ووفرا المساعدة، لكنه قال إن ما تغير على الأرض لم يتجاوز الإدانة العلنية للمستوطنين.
وقال أبو ريدة: "أعلم أن السفير الأميركي لدى (إسرائيل) مايك هاكابي أدان المستوطنين ووصفهم بالإرهابيين، وأنا أقدر ذلك. إنها خطوة جيدة. مع ذلك، لم يُجدِ ذلك نفعاً على أرض الواقع. ما زلت تحت الحصار منذ أسبوعين".
"لم يكن لدي خيار آخر"
قال أبو ريدة إن بقاء عائلته، بمن فيهم شقيقته وشقيقه وابن شقيقه ووالدته البالغة من العمر 83 عاماً، في مواجهة الجيش والمستوطنين من دونه دفعه إلى اتخاذ قرار العودة.
وفي 17 أغسطس/آب، سافر أبو ريدي جواً إلى قصرة للانضمام إلى أسرته، رغم صعوبة القرار بالنسبة إلى زوجته وابنتيه اللتين بقيتا في أوهايو.
وقال: "كان الأمر صعباً على زوجتي وابنتيّ اللتين اضطررت لتركهما في أوهايو. لقد كانت لحظة مرعبة بالنسبة لهما، لعدم معرفتهما ما ينتظرني. لكن لم يكن لدي خيار آخر. كان علي أن أكون هنا مع أخي وأمي وأختي".
وتواصل ابنته البالغة من العمر 10 سنوات مراسلته للاطمئنان عليه، أحياناً حتى بعد منتصف الليل بتوقيت أوهايو.
وقال إنها تسأله باستمرار: "هل سأنام في نفس المنزل؟ هل سيهاجمك المستوطنون؟ هل ستعود إلينا؟ هل ستكون بأمان؟"
ويحاول أبو ريدة طمأنة عائلته، لكنه يقول إنه لا يستطيع إخفاء الخوف الذي يشعر به داخل المنزل.
وقال: "إنه كابوس. لا نستطيع النوم ليلاً. علينا أن نبقى متيقظين. هل سيهاجموننا؟ هذا ما يحدث منذ شهور. يجب على أحدهم أن يسهر طوال الليل يراقب المنزل بالتناوب".
وفي الوقت نفسه، قام أبو ريدة بإيواء عائلة أخرى حاصر المستوطنون منزلها المجاور، وأجبر الجنود أفرادها على الخروج منه. وتعيش العائلة، المكونة من زوجين وابنتين تبلغان من العمر عامين وأربعة أعوام، بعيداً عن منزلها.
وقال "إنهم مرعوبون وخائفون. يظلون ينظرون إلى منزلهم، ويطلبون ألعابهم، ويطلبون العودة إلى منزلهم، وهم لا يعرفون ما يحدث. إنه شعور مختلط. إنه أمر محزن، ومفجع، ومرعب، وكل ما سبق".
ورغم الخطر واحتمال وقوع هجوم جديد من المستوطنين، يؤكد أبو ريدي أنه مستعد للبقاء في المنزل. وقال: "لن أغادر هذا المنزل حتى أتأكد من أنه آمن ولن يسرقه المستوطنون".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل أيست آي أضغط هنا
