كان أحمد زيدات يعتني بأشجار الزيتون في أرضه بالضفة الغربية المحتلة، قبل أن تندفع نحوه مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين وتعتدي عليه باللكم في وجهه وبطنه، ما دفعه إلى الفرار على جراره فيما واصل المستوطنون ملاحقته.
لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر قسوة بالنسبة للمزارع الفلسطيني، إذ تدخل جنود إسرائيليون وأبعدوا المستوطنين، قبل أن يقوموا باعتقال زيدات نفسه.
وقد كانت التهمة، بحسب ما أُبلغ به، أنه موجود في أرضه الخاصة.
وقال زيدات إنه عندما سأل ضابطاً إسرائيلياً عن سبب احتجازه، أبلغه بأنه موجود في أرض خاصة لا يُسمح له بالوصول إليها. وأضاف في حيرة: «هذه الأرض لي، كيف أصبحت ملكية خاصة، ولمن تنتمي؟».
وبحسب روايته، أجابه الجندي بأن الأرض أصبحت «ملكاً لنا» وأنه غير مسموح له بالدخول إليها.
وبعد احتجاز قصير، أُطلق سراح زيدات، لكنه تلقى أمراً بعدم العودة إلى أرضه. وقال: «أرضي، ثمرة عملي وكسلي، محرمة عليّ».
وأضاف أن أرضه كانت تنتج نحو 600 كيلوغرام من زيت الزيتون النقي، لكنه بات اليوم يراها من بعيد، عاجزاً عن الوصول إليها أو العمل فيها.
عودة الاستيطان
بالنسبة للفلسطينيين في جنين والقرى المحيطة بها، لم تعد قصة زيدات حالة فردية، بل أصبحت نموذجاً لتغير متسارع تشهده المنطقة.
فمنذ الانسحاب الإسرائيلي الأحادي عام 2005، بقي شمال الضفة الغربية بعيداً نسبياً عن الاحتكاك المباشر بالمستوطنين، بعد أن فككت إسرائيل أربع مستوطنات في المنطقة هي غانيم وكاديم وحمش وسانور.
لكن وتيرة النشاط الاستيطاني تسارعت منذ وصول الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى السلطة في أواخر عام 2022.
وفي جنين ومحيطها، بدأت سلطات الاحتلال إعادة إحياء المستوطنات التي كانت قد أُخليت، إلى جانب الموافقة على مستوطنات جديدة وإنشاء طرق وبنية تحتية ومواقع عسكرية لحمايتها.
ويخشى الفلسطينيون أن تؤدي هذه التحركات إلى تطويق جنين بشبكة متصلة من المستوطنات والقواعد العسكرية، بما يعزل المدينة عن محيطها ويشدد السيطرة الإسرائيلية على الأرض وحركة السكان.
مصادرة وتوسع عسكري
أقرت دولة الاحتلال 11 مستوطنة جديدة في منطقة جنين، إضافة إلى المستوطنات الأربع التي أعادت إحياءها، فيما بدأت عائلات مستوطنين بالانتقال إلى بعض المواقع، بالتزامن مع أعمال شق طرق وإنشاء بنية تحتية جديدة.
وفي أواخر يوليو/تموز، استولى الجيش الإسرائيلي على نحو 200 دونم من الأراضي الفلسطينية في جنين عبر 15 أمراً عسكرياً.
وذكرت تقارير أن الأراضي المستهدفة تقع في مناطق مصنفة «أ» بموجب اتفاقيات أوسلو لعام 1995، وهي مناطق يفترض أن تبقى تحت السيطرة الفلسطينية الكاملة.
كما يجري العمل على إنشاء قاعدة عسكرية دائمة في قلب مدينة جنين، في خطوة من شأنها تعزيز الوجود العسكري الإسرائيلي في المنطقة.
وقال طارق إغبارية إن ما يجري يمثل «تغييراً كاملاً في جغرافية جنين». وأوضح أن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية وبساتين الزيتون تحولت إلى مواقع بناء، بينما تواصل الجرافات شق الطرق وإقامة منشآت عسكرية.
وحذر من أن مصادرة الأراضي لا تتوقف عند المساحات المحددة في الأوامر العسكرية، إذ يمكن أن تؤدي الطرق والمناطق الأمنية المحيطة بها إلى السيطرة الفعلية على مئات الدونمات الإضافية.
كما أدى توسع شبكة الطرق إلى تغيير حركة الفلسطينيين، وخلق صعوبات متزايدة أمام سكان قرى عرابة وماركا والمصلية وقباطية وجبا والفنقومية والسيلة الحارثية في الوصول إلى مدينة جنين.
«أقطع جزءاً من روحي»
لم تقتصر آثار هذه الإجراءات على الخرائط والجغرافيا، بل امتدت مباشرة إلى مصادر رزق الفلسطينيين.
فطارق الشاعر، صاحب كرمة عنب في سهل عرابة جنوب جنين، اضطر إلى حصاد محصوله وبيعه بالجملة بعد تلقيه إخطاراً بأن كرمته ستُهدم وتُجرف.
وتضم المزرعة أكثر من ستة دونمات ونحو 750 شجرة عنب، بدأ الشاعر زراعتها قبل 15 عاماً، قبل أن تتحول إلى مصدر رزق له ولعائلته و15 شخصاً آخرين.
وقال: «إن قطف العنب يشبه قطع جزء من روحي». وأضاف أن عائلته عملت سنوات طويلة في الأرض، لكن القرار الإسرائيلي، بحسب قوله، لم يترك لهم مجالاً للحفاظ عليها.
كما تلقى محمد أبو معلا، الذي يدير مزرعة دواجن مع إخوته بين مرقا وقباطية، أوامر بإزالة المزرعة تحت تهديد الهدم.
وقال إنهم مُنحوا سبعة أيام فقط لإخلائها، واضطروا إلى تنفيذ الأمر خوفاً من تدمير محتوياتها.
هدم وتهجير
ترافقت عمليات الاستيلاء على الأراضي مع هدم منشآت ومحال تجارية فلسطينية لإفساح المجال أمام الطرق ومشاريع الاستيطان.
وفي 11 أغسطس/آب، هدمت الجرافات الإسرائيلية 12 مستودعاً تجارياً فلسطينياً في بلدة عنزا جنوب جنين، قبل أن يتم في اليوم التالي هدم 27 متجراً آخر في دير أبو ضيف شرق المدينة.
وكان من بين المتضررين محمد محاميد، الذي بنى متجره قبل ستة أشهر فقط أملاً في تأمين مصدر دخل لعائلته.
وقال: «كنت آمل أن تكون المتاجر مصدر دخلي حتى أتمكن من الاستقرار، لكن كل شيء قد ذهب».
وقال وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن عمليات الهدم تمثل «خطوة نحو استئناف النشاط الاستيطاني» في غانيم وكاديم.
جنين والكانتونات المعزولة
ترى الباحثة والمحللة السياسية سناء زكارنة أن ما يجري يتجاوز إنشاء مستوطنات جديدة، مشيرة إلى أن الإجراءات التي تستهدف مناطق مصنفة «أ» تمثل تغييراً عملياً في الواقع الذي أفرزته اتفاقيات أوسلو.
وتقول إن هذه السياسات قد تدفع نحو تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق فلسطينية معزولة، فيما تشكل جنين هدفاً مهماً بسبب موقعها القريب من الخط الأخضر وأهميتها الزراعية والاقتصادية.
فإلى جانب موقعها الاستراتيجي، تقع المدينة وسط أراضٍ زراعية واسعة يدعم إنتاجها سبل عيش آلاف الفلسطينيين.
ومع اتساع المصادرات والهدم والطرق العسكرية والاستيطانية، يجد مزارعون مثل أحمد زيدات أنفسهم أمام واقع جديد: أرض يملكونها، لكنهم لم يعودوا قادرين على الوصول إليها.
وبينما تتواصل أعمال التجريف والاستيطان، تتغير خريطة جنين تدريجياً، فيما تتسع المخاوف الفلسطينية من أن تتحول المدينة وبلداتها المحيطة إلى مناطق معزولة تحاصرها المستوطنات والقواعد العسكرية من مختلف الجهات.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
