بيد واحدة وعين زجاجية، أعاد محمد صبيح افتتاح مطعمه الشعبي في غزة من جديد، رافعاً راية التحدي في وجه جراحه الغائرة، في مشهد يجسد إصرار الإنسان الفلسطيني على التشبث بالحياة.
وكان صبيح قد فقد عينه، وبُترت يده اليمنى، إثر قصف الاحتلال منزله في الحادي عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2023، وهو القصف الذي استشهد فيه أغلب أفراد عائلته.
لم تكن الحرب مجرد ذكرى أليمة بالنسبة لصبيح، بل كانت تحولاً جذرياً في حياته اليومية.
فبعد أن كان يبدأ عمله في الساعة السادسة صباحاً، أصبح مضطراً للوصول إلى مطعمه في الرابعة فجراً، لبدء طحن الفلافل باستخدام مطحنة يدوية.
يقول محمد موضحاً حجم المعاناة: "بتر يدي زاد من صعوبة حياتي المعيشية"، مضيفاً: "أنا أعمل بيد واحدة ولا أستطيع العمل بسرعة".
لكن التحدي الأكبر الذي يواجهه صبيح يتجلى كلما اقترب من مقلاة الفلافل، إذ تتأثر العين الزجاجية التجميلية التي حلت محل عينه المفقودة، ويلتهب محيطها.
ويقول: "أجد صعوبة في قلي الفلافل بسبب العمل بيد واحدة وإصابتي في عيني التي فقدتها".
ويشير إلى أن الطبيب طلب منه الابتعاد عن المقلاة حفاظاً على صحته، لكنه لا يجد بُدّا من العمل لكسب رزقه.
ورغم كل هذه العقبات، يصر صبيح على مواصلة العمل؛ فالمطعم الذي يزيد عمره عن خمسين عاماً لم يكن مجرد مصدر رزق، بل كان جزءاً من هويته.
وخلال الحرب، تعرض المطعم للقصف والدمار وتوقف عن العمل، ولم يكن في إمكان صبيح إعادة فتحه بسهولة، لكن قسوة الظروف اضطرته لإعادة افتتاحه.
ويقول: "بسبب قلة فرص العمل لجأت إلى إعادة فتح محلي الذي يزيد عمره عن 50 عاماً، ووسعته".
ويعترف صبيح بأن الحياة قبل الحرب كانت أفضل حالاً، حيث كان المطعم مزدهراً ويعمل لديه عدد من العمال.
ويصف الوضع الحالي بقوله: "اليوم رجعنا إلى ما دون الصفر"، مشدداً أنهم يحاولون الآن العودة إلى الوضع السابق بتعاون الآخرين.
ولا يخفي صبيح حجم المعاناة اليومية التي يواجهها، إذ يقول: "بتر يدي يؤثر عليّ كثيراً في طحن وقلي الفلافل، وفي ارتداء الملابس وقضاء الحوائج".
لكنه في المقابل يرفض الاستسلام، مؤكداً: "صعوبات الحياة التي واجهتنا خلال الحرب أجبرتني على تحمّل الصعاب".
ويضيف: "صعوبة الحياة جعلت مني شخصاً مثابراً".
ويؤكد أنه يقوم بنفسه بكل شيء لتوفير احتياجات أسرته، رافضاً الاستسلام لإعاقته أو لظروف الحرب، في قصة تعكس صمود شعب بأكمله يواجه أصعب الظروف بإصرار لا ينكسر.
وفي خضم هذه الظروف القاسية، يظل محمد صبيح نموذجاً لإرادة التحدي في مواجهة الألم والفقد.
ويبلغ عدد حالات بتر الأطراف جراء حرب الإبادة المتواصلة في قطاع غزة أكثر من 8 آلاف حالة، وفق تصريحات لمدير مستشفى حمد للأطراف الصناعية بغزة، حمد نعيم، في أغسطس/ آب الماضي.
وبحسب الإحصائية التراكمية لوزارة الصحة، أسفر العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن 73,651 شهيدا و 174,575 إصابة.
