لم تعد آلام الأسنان في قطاع غزة مجرد وجعٍ عابر يمكن علاجه بزيارة عيادة، فالمواد الأساسية اللازمة للحشوات والعلاجات السنية باتت شحيحة، والأسعار ارتفعت إلى مستويات تفوق قدرة المرضى، فيما يجد أطباء الأسنان أنفسهم أمام معادلة قاسية: طبيب موجود، ومريض ينتظر، لكن مواد العلاج مفقودة.
بهذا الواقع، خرج أطباء الأسنان في قطاع غزة، اليوم الثلاثاء، في وقفة احتجاجية أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، للمطالبة بتسهيل إدخال مواد ومستلزمات طب الأسنان إلى القطاع، وإنقاذ هذا القطاع الصحي من مزيد من التدهور الذي انعكس مباشرة على المرضى والعيادات وطلبة كليات طب الأسنان.
وقال طبيب الأسنان بهاء الدين حسونة، لـ"وكالة سند للأنباء"، إن طب الأسنان في غزة يعاني نقصًا حادًا في المواد منذ بداية حرب الإبادة، مشيرًا إلى أن الأزمة تفاقمت خلال الفترة الأخيرة، وأصبحت تؤثر بصورة مباشرة على قدرة الأطباء على تقديم العلاج للمرضى.
وأوضح "حسونة" أن بعض المواد تصل بكميات محدودة وبطرق غير رسمية وبأسعار مضاعفة، ما جعل حتى العلاجات البسيطة، كالحشوات، مكلفة إلى درجة يعجز معها كثير من المرضى عن تحمل نفقاتها، رغم أن آلام الأسنان لا تحتمل التأجيل، خصوصًا في ظروف معيشية وصحية بالغة الصعوبة.
وأضاف أن الأزمة لا تقتصر على المرضى والأطباء العاملين في العيادات، بل تمتد إلى طلبة طب الأسنان، الذين يواجهون صعوبة في استكمال الجانب العملي من دراستهم بسبب فقدان المواد والأدوات اللازمة للتدريب.
وبيّن أن الوقفة أمام الصليب الأحمر تمثل أول فعالية للجنة التي تشكلت لمتابعة أزمة طب الأسنان، مؤكدًا أنها ستكون ضمن سلسلة تحركات للمطالبة بتدخل المؤسسات الدولية وتنسيق دخول مستلزمات ومواد طب الأسنان إلى القطاع.
وشدد "حسونة" أن "طب الأسنان ليس له علاقة بالسياسة، والمرضى بحاجة إلى العلاج، وهو حق مكفول لجميع المرضى".
ودعا المؤسسات الدولية إلى تحمل مسؤولياتها تجاه هذا القطاع والعاملين فيه والمرضى الذين حُرموا من أبسط الخدمات العلاجية.
بدورها، قالت طبيبة الأسنان سهير محمود إن الوقفة تهدف إلى إيصال صوت أطباء الأسنان إلى المؤسسات الدولية، والمطالبة بالمساعدة في تنسيق إدخال المواد اللازمة إلى قطاع غزة، في ظل العجز الكبير الذي تعاني منه العيادات.
وأكدت أن نقص المواد يؤثر بصورة مباشرة على عمل العيادات وقدرتها على تقديم الخدمة للمرضى، محذرة من أن استمرار الأزمة يعني اتساع الفجوة بين الاحتياجات العلاجية المتزايدة والإمكانات المتاحة.
أزمة تتجاوز طب الأسنان
ولا تنفصل أزمة طب الأسنان عن الانهيار الأوسع الذي أصاب القطاع الصحي في غزة، إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية أن النظام الصحي في القطاع تعرض لدمار غير مسبوق، فيما تعاني المرافق الطبية من نقص شديد في الإمدادات والوقود والمواد الأساسية.
وفي آذار/مارس الماضي، أفادت منظمة الصحة العالمية بأن 46% من الأدوية الأساسية و66% من المستهلكات الطبية كانت منعدمة المخزون، مع تحذيرات من استمرار النقص في المستلزمات الجراحية ومستلزمات الإصابات والمختبرات وغيرها من المواد الطبية الحيوية.
وامتدت أزمة الإمدادات إلى مستلزمات طب الأسنان تحديدًا؛ إذ طرحت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" في تموز/يوليو الماضي مناقصة لتوريد وحدات ومستلزمات طب أسنان إلى غزة، في مؤشر على حجم الاحتياج القائم لهذا النوع من التجهيزات.
ومع انقطاع الوقود ومصادر الطاقة وارتفاع أجور المقرات بنسب جنونية بلغت نحو 80% إلى 100%، لجأ العاملون في المعامل إلى وسائل بديلة وبدائية للغاية لتسييح الشمع المستخدم في الأطقم السنية، كاستخدام الزيت النباتي عوضًا عن الغاز؛ وهي طريقة تنفث السخام وتراكم آثار الاحتراق على القوالب السنية.
