الساعة 00:00 م
السبت 19 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.07 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.49 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

من المقبرة إلى الساحات.. كيف تحاول جماعات "الهيكل" فرض واقع جديد شرقي الأقصى؟

العطش كأداة تهجير صامت.. الاحتلال يمعن في تدمير شريان المياه بغزة

حرفة تواجه الحصار.. حقائب غزة تُنسج من بقايا خيام النزوح

المطران حنا: الاحتلال يُحول الأعياد إلى أداة لتطويق القدس وطمس هويتها العربية

حرفة تواجه الحصار.. حقائب غزة تُنسج من بقايا خيام النزوح

حجم الخط
إعادة تدوير أقمشة الخيام لحقائب
غزة - أحلام عبد الله - وكالة سند للأنباء

حين تفرض الظروف المعقدة شحًا حادًا في أبسط متطلبات الحياة، يبتكر أهل غزة مسارات بديلة تتجاوز حدود العجز، محولين تفاصيل الواقع اليومي إلى طاقات عمل منتجة.

إذ لم تعد خيام النازحين التي المتهالكة بفعل العوامل الجوية مجرد أقمشة منتهية الصلاحية، بل غدت مادة أولية تُستثمر بمهارة؛ وعلى ماكينة خياطة بسيطة، لا يبدأ محمد الشنشير عمله بقماش جديد، بل بقطعة من خيمة أنهكها الاستخدام والشمس والرطوبة، يقلبها بين يديه، يبحث عن الجزء الذي ما زال قادرًا على الصمود، ثم يقصّه ويعيد خياطته، لتخرج منه حقيبة جديدة بعد أن كان جزءًا من مأوى لعائلة نازحة.

هذه الحرفة لم تبدأ من وفرة المواد، بل من ندرتها؛ ففي غزة، حيث أصبح الحصول على مستلزمات الخياطة والمواد الخام أكثر صعوبة وكلفة، يحاول خياطون تحويل ما يتوفر بين أيديهم إلى منتجات قابلة للاستخدام ومصدر دخل يساعدهم على تأمين احتياجات أسرهم.

من الخيمة إلى الحقيبة

وفي ورش صغيرة، تنتقل أقمشة الخيام التالفة من مرحلة إلى أخرى؛ تبدأ بالفرز واختيار الأجزاء الصالحة، ثم التنظيف والتجفيف وفحص المتانة، قبل قصها وفق مقاسات محددة وخياطتها لتصبح حقائب بأشكال وأحجام مختلفة.

يقول الخياط محمد الشنشير، من حي الزيتون في غزة، لـ "وكالة سند للأنباء"، إن العمل يبدأ بفرز أقمشة الخيام التالفة، "مش كل قطعة بتنفع للخياطة"، موضحًا أن بعضها يكون متضررًا بفعل الشمس أو الرطوبة أو كثرة الاستخدام، بينما تبقى أجزاء أخرى بحالة تسمح بإعادة توظيفها.

وبعد الفرز، تُنظف الأقمشة وتُترك حتى تجف جيدًا، ثم تُفحص مرة أخرى للتأكد من قدرتها على تحمل الاستخدام.

ويشير الشنشير إلى أن سماكة القماش وحالته تختلف من قطعة إلى أخرى، وهو ما يجعل اختيار الجزء المناسب لكل حقيبة جزءًا أساسيًا من العمل.

ويضيف أن عملية التصنيع لا تقتصر على قص القماش وخياطته، بل تشمل تحديد شكل الحقيبة ومقاساتها، وتجهيز المقابض والجيوب والسحّابات، ثم تثبيت الأجزاء وخياطة نقاط الحمل بشكل أقوى حتى تتحمل الحقيبة الأغراض الموضوعة بداخلها.

أما عمر شلوف، وهو خياط نازح في حي تل الهوا، فيوضح لـ "وكالة سند للأنباء"، أن التعامل مع قماش الخيام يختلف عن الخياطة التقليدية، بسبب سماكته واختلاف حالته من قطعة إلى أخرى، ما يتطلب دقة أكبر في القص والخياطة.

ويشير إلى أن بعض الحقائب تحتفظ بآثار القماش القديم وألوانه وعلاماته، وهو ما يمنح كل قطعة شكلًا مختلفًا، في حين تُستخدم الحقائب لحمل الملابس والأغراض الشخصية، ويمكن تصنيع أحجام وأشكال مختلفة منها بحسب الحاجة.

تأتي هذه المبادرات الحرفية الفردية وسط قطاع دمره الاحتلال واستهدف بنيته الإنتاجية؛ إذ تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى تدمير 182 منشأة متخصصة في صناعة وبيع منتجات الحرف اليدوية والهدايا التذكارية.

وتوزعت المنشآت المدمرة بواقع 116 منشأة في غزة، و20 في دير البلح، و15 في شمال غزة، و15 في خان يونس، و15 في رفح، وهو ما أدى بدوره إلى فقدان 360 عاملًا لوظائفهم في هذا القطاع.

هذا الواقع يعكسه أيضًا تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، الذي أوضح أن القيود المستمرة تمنع إدخال مواد الإيواء المتينة إلى قطاع غزة، مشيرًا إلى أن معظم السكان البالغ عددهم 2.1 مليون شخص ما زالوا نازحين ويعيشون في ظروف قاسية، في ظل عدم السماح حتى الآن سوى بإدخال خيام مؤقتة لا تدوم طويلاً.

ورغم تحسن محدود مؤخرًا في تدفق الإمدادات الأساسية، إلا أن الاحتياجات الإنسانية تبقى هائلة واعتماد السكان على المساعدات كبير جدًا.

حرفة تواجه نقص الخيوط والكهرباء

ورغم توفر المادة الأساسية من الأقمشة التالفة، فإن الخياطين يواجهون تحديات أخرى تتعلق بمستلزمات الإنتاج، من الخيوط والإبر والسحّابات والمقابض، وصولًا إلى آلات الخياطة والكهرباء اللازمة لتشغيلها.

ويقول الشنشير إن نقص بعض المستلزمات يضطر الخياطين أحيانًا إلى البحث عن بدائل محلية أو إعادة استخدام بعض القطع المتوفرة، فيما تؤثر جودة الخيط والإبرة والآلة مباشرة في شكل المنتج النهائي وقدرته على التحمل.

فيما يؤكد شلوف أن إنتاج الحقيبة لا يسير بالوتيرة نفسها في كل مرة؛ فالوقت يختلف بحسب حالة القماش، وتصميم الحقيبة، ومدى الحاجة إلى تدعيمها، فضلًا عن توفر مستلزمات الخياطة.

ولا تتوقف أهمية هذه الحرفة عند تحويل مادة تالفة إلى منتج جديد، إذ توفر في الوقت ذاته مصدر دخل محدودًا للخياطين والعاملين فيها، في ظل ظروف اقتصادية صعبة وارتفاع أسعار العديد من الاحتياجات الأساسية.

اقتصاد دائري

من جانبه يضع الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر هذه المبادرات ضمن مفهوم الاقتصاد الدائري، حيث يجري إعادة استخدام المواد التي كان يمكن أن تتحول إلى مخلفات، وإدخالها مجددًا في دورة الإنتاج والاستهلاك.

ويقول أبو قمر لـ "وكالة سند للأنباء"، إن الأمر لا يقتصر على أقمشة الخيام، بل يشمل أيضًا الاستفادة من الأسلاك التي يجري استخراجها من الركام، والأخشاب من المباني المدمرة واستخدامها في صناعة الأثاث أو كوقود، إلى جانب إعادة استخدام الحديد ومواد أخرى.

ويربط أبو قمر توسع هذه الممارسات بحالة النقص الحاد في المواد والسلع، في ظل استمرار الإغلاق والحصار وشح دخول الاحتياجات إلى قطاع غزة، مشيرًا إلى أن قماش الخيام بات ذا قيمة اقتصادية مرتفعة بسبب محدودية توفره وارتفاع تكلفة إدخاله.

ويوضح أن القماش يمكن إعادة استخدامه في صناعة الحقائب، كما يمكن الاستفادة منه في استخدامات أخرى، بينها تعويض النقص في أقمشة "الشادر" وغيرها من الاحتياجات.

لكن أبو قمر يحذر من المبالغة في تقدير العائد الاقتصادي لهذه المبادرات، مبينًا أنها توفر دخلًا وتساعد في تغطية الاحتياجات الأساسية لعشرات العائلات، لكنها لا تكفي وحدها لإنقاذ مئات الأسر أو توفير مستوى معيشة ملائم في ظل ارتفاع الأسعار.

ويرى أن التحدي الأكبر يتمثل في تحويل المبادرات الفردية إلى مشاريع صغيرة قادرة على الاستمرار، من خلال توفير المواد الخام ومستلزمات الخياطة بأسعار طبيعية، ودعم قطاع الخياطة الذي كان يمتلك حضورًا أوسع في غزة قبل سنوات.

ويشير إلى أن دعم هذه المبادرات لا ينبغي أن يقتصر على تقديم تمويل مباشر، بل يجب أن يترافق مع تسهيل وصول الخيوط والآلات والكهرباء ومستلزمات الإنتاج، بما يسمح للخياطين بتوسيع أعمالهم وتحويل إعادة التدوير من حل اضطراري إلى نشاط اقتصادي أكثر استدامة.