الساعة 00:00 م
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.04 جنيه إسترليني
4.3 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.05 دولار أمريكي

شهادات حيّة..

بالفيديو ولادة تحت حراسة السجان.. هكذا يحوّل الاحتلال لحظات الأمومة إلى جحيم

حجم الخط
الأسيرات الحوامل
غزة/ رام الله - وكالة سند للأنباء

لم تكن اللحظات الأولى لاستقبال المولودة "ليا" محاطة بدفء ذراعي والدتها، بل حاصرتها برودة سرير المستشفى وقسوة القيود والسجانين.

فقد خاضت الأم، الأسيرة الفلسطينية دانا جودة، تجربة الولادة القيصرية وهي ترزح تحت وطأة الاعتقال، بعد أن جرّعت إدارة سجن "الدامون" أشهر حملها قهرًا وظروفًا افتقرت لأدنى مقومات الرعاية الصحية والغذاء الملائم للمرأة الحامل.

تختزل تجربة جودة صفحة دامية من أشد فصول الاعتقال الإسرائيلي تنكيلًا بالنساء الفلسطينيات؛ إذ لا تتكبد الحامل مرارة الأسر فحسب، بل تصارع ظروف الحمل والمخاض والوضع محاطة بالقيود والعزل ونقص الغذاء وغياب المتابعة الطبية، ليتضاعف وزر الضغط النفسي بفعل هاجس الخوف على الجنين والحرمان القسري من العائلة.

وحتى مطلع سبتمبر/ أيلول 2026، وثقت مؤسسات الأسرى وجود نحو 90 أسيرة في سجون الاحتلال. وبعد الإفراج عن دانا جودة منتصف الشهر ذاته، أكدت تلك المؤسسات في 20 سبتمبر أن قائمة المعتقلات تضم 35 أمًا وأسيرتين حاملين ما تزالان في قبضة الاحتلال.

مخاض خلف الزنزانة

في 18 أبريل/ نيسان 2026، اعتقلت قوات الاحتلال دانا عناد جودة (35 عامًا) من بلدة عراق التايه شرقي نابلس شمال الضفة الغربية، وهي أم لطفل وكانت في مستهل حملها، لتصدر بحقها لاحقًا أمر اعتقال إداري لستة أشهر بلا تهمة أو محاكمة.

وفي يونيو/ حزيران، أدرج نادي الأسير اسمها ضمن ثلاث معتقلات حوامل في "الدامون"، إلى جانب أمينة الطويل ومنار إبراهيم.

تكبدت دانا خلال شهور الاعتقال تدهورًا صحيًا متسارعًا، نتيجة العجز الحاد في الرعاية الطبية والغذاء.

ومع بلوغها مراحل متقدمة من الحمل، داهمتها آلام المخاض المبكر ونزيف استمر أسبوعين داخل السجن قبل أن ترضخ إدارة المعتقل لنقلها إلى مستشفى "رمبام".

وهناك، وفقًا لشهادتها لـ "وكالة سند للأنباء" وُضعت القيود في يديها وقدماها على سرير المستشفى، ونُصبت كاميرا لمراقبتها على مدار الساعة.

تروي دانا أنها نُقِلت لإجراء الجراحة القيصرية مقيدة وسط حراسة مسلحة، لتُفصل عنها مولودتها فور وضعها بوزن يقارب 1500 غرام، حارمة إياها من حرية احتضانها.

وحين كانت الطفلة تُعاد للرضاعة، كان السجان يكتفي بفك قيود يد واحدة فقط لتتمكن من إرضاعها، بينما غابت حتى ملابس المولود الأساسية، لتبادر ممرضة فلسطينية بتوفير ثوب زهري للطفلة.

عقب ساعات معدودة من العملية الجراحية، أعيدت القيود والعصابة إلى عيني "دانا" لاقتيادها نحو رحلة النقل، إلى أن انقضى حكمها الإداري وأُفرج عنها بصحبة رضيعتها.

وكانت هيئة شؤون الأسرى قد حمّلت الاحتلال المسؤولية الكاملة عن مصيرهما، مبينة أن "دانا" أمضت أشهر حملها الستة في الاعتقال الإداري.

وبهذا المشهد المروع، تفقد عبارة "الولادة خلف القضبان" معناها المجازي لتغدو واقعًا عينيًا رافق الأم من غرفة العمليات إلى سرير المرض وحتى لحظات الأمومة الأولى.

نماذج متكررة.. لستِ وحدكِ

لم تكن دانا استثناءً؛ ففي يونيو/ حزيران الماضي، رصد نادي الأسير ثلاث أسيرات حوامل محتجزات معًا في "الدامون": أمينة شاهر الطويل (حامل في شهرها الرابع وأم لأربعة أطفال)، ودانا جودة، ومنار إبراهيم (حامل في شهرها الرابع وأم لطفلين).

وتكررت المأساة ذاتها في العام المنصرم مع الأسيرتين ريماء بلوي وزهراء كوازبة.

تستحضر ريماء بلوي، وهي أم لطفلتين اعتقلت في فبراير/ شباط 2025، تفاصيل معاناتها لـ "وكالة سند للأنباء" قائلة: "أخبرت سلطات السجن بأني حامل، إلا أن طبيب عيادة السجن أفاد بأن الأمر ليس من اختصاصه، قبل تحويلي إلى مستشفى خارجي لتأكيد الحمل وإعادتي إلى السجن".

وتنبه بلوي إلى غياب المتابعة الدورية، وانعدام صرف الفيتامينات والمكملات الغذائية الضرورية للحمل، فضلاً عن تلوث مياه الشرب ورداءة وجبات الطعام التي تتنافى مع متطلبات الحامل وجنينها.

المخاطر التي تهدد الأم والجنين

يؤكد الباحث المختص في شؤون الأسرى، حسن عبد ربه، أن واقع الأسيرات يرزح تحت وطأة تدهور خطير بفعل سياسات القمع والعزل والإهمال الطبي المتعمد، مشددًا على أن الحوامل يواجهن مخاطر مضاعفة تهدد سلامتهن وأرواح أجنتهن.

ويوضح عبد ربه، لـ "وكالة سند للأنباء" أن المعتقلة الحامل تستوجب رعاية طبية منتظمة وغذاء خاصًا ومكملات داعمة وبيئة آمنة، بينما تنتهج إدارة السجون عكس ذلك تمامًا، متجاهلة شكاوى النزيلات من ضعف الرعاية وسوء التغذية وتأخر الفحوص الطبية الطارئة.

ويحذر من تعامل السجانين مع حالات الحمل باستخفاف بالغ، رغم أن أي تباطؤ علاجي قد يسفر عن عواقب كارثية في حالات النزيف، أو ارتفاع ضغط الدم، أو الولادة المبكرة، أو الطوارئ الجراحية.

ويلفت إلى أن الانتهاكات تتجاوز الباب الصحي لتصيب الحالة النفسية في مقتل؛ إذ تعيش الأسيرة هاجسًا دائمًا حول مصير جنينها، إلى جانب لوعتها بفراق أبنائها خارج أسوار السجن، ناهيك عن الاقتحامات المتكررة لسجن "الدامون"، والنقص الحاد في مستلزمات النظافة، وتفشي الأمراض الجلدية بين الحين والآخر.

ودعا المؤسسات الدولية، كالجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة، إلى تكثيف الضغط والرقابة لتوفير الرعاية الملائمة ومنع تقييد النساء أثناء العلاج والوضع، مؤكدًا أن مسؤولية الاحتلال تفرض صون سلامة الأم والجنين دون تجزئة.

البُعد القانوني وانتهاك الاتفاقيات الدولية

من جهته، يبين مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان، علاء السكافي، أن الانتهاكات بحق الأسيرات الحوامل والأمهات تشكل خرقًا فاضحًا لقواعد القانون الدولي الإنساني ومعايير حقوق الإنسان الخاصة بالمحتجزات.

ويشير السكافي، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن الحامل بحاجة لحصانة حقوقية وطبية مضاعفة، منبّهًا إلى أن الإفادات الموثقة تؤكد حصول مماطلة متعمدة في العلاج وفرض قيود مهينة وقت النقل الاستشفائي، في كسر واضح لقواعد الأمم المتحدة النموذجية لمعاملة السجينات (قواعد بانكوك) التي تحظر تجريم النساء بالقيود خلال المخاض والولادة وما يليها.

ويوضح أن اتفاقية جنيف الرابعة تلزم الاحتلال بمعاملة إنسانية تراعى فيها خصوصية النساء، عادًّا حرمان المعتقلات من الرعاية الطبية انتهاكًا يندرج ضمن "المعاملة القاسية أو اللاإنسانية".

ويطالب الهيئات الأممية بملاحقة هذه الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، مشددًا على أن الاعتقال لا يسقط عن المرأة حقها الأصيل في حفظ كرامتها وسلامتها البدنية.