لم تعد رحلة الفلسطيني في الضفة الغربية تُقاس بالمسافة التي تفصل بين مكان وآخر، بقدر ما تُقاس بعدد الحواجز والبوابات التي تعترض طريقه، والوقت الذي قد يضطر لانتظاره قبل أن يُسمح له بالمرور.
وبين بوابة تُغلق فجأة وحاجز يعيد المركبات إلى طرق التفافية، تحولت حركة المواطنين اليومية إلى رحلة مفتوحة على التأخير والاستنزاف، طالت المرضى والطلبة والموظفين والتجار على حد سواء.
وفي مدينة الخليل، تتجسد هذه المعاناة في تفاصيل الحياة اليومية؛ إذ عبّر مواطنون عن امتعاضهم من انتشار البوابات والحواجز العسكرية التي تعيق تنقلهم وتفرض عليهم مسارات أطول وأكثر كلفة.
وفي خربة قلقس جنوب الخليل، يواصل الاحتلال إغلاق مدخلي الخربة بالبوابات الحديدية منذ نحو 4 سنوات، فيما لم تُفتح بشكل كامل منذ قرابة 3 سنوات، ما فاقم معاناة المواطنين وأعاق تنقلهم والوصول إلى احتياجاتهم الأساسية.
وقال المواطن لؤي مصطفى، من مدينة الخليل، إن معاناة المواطنين اليومية بسبب إغلاق البوابات "لا يمكن وصفها"، موضحًا أن قوات الاحتلال ترسل أحيانًا جيبًا عسكريًا لعرقلة حركة المواطنين، ما يؤخر طلبة المدارس والموظفين لساعات.
وأضاف "مصطفى" أن هذه القيود تصبح أكثر قسوة بالنسبة للمرضى الذين يحتاجون إلى التنقل بصورة دورية إلى المستشفيات والمراكز الصحية، مشيرًا إلى أن إغلاق الطرق لا يقتصر أثره على الأفراد، بل يمتد إلى الحركة التجارية أيضًا.
وأوضح أن نقل البضائع عبر البوابات يحتاج إلى مزيد من العمال والوقت، وهو ما يرفع كلفة النقل والتوزيع، وينعكس في النهاية على أسعار السلع التي يدفعها المستهلك.
أما المواطن نضال العويوي، من الخليل، فقال إن الطريق التي كان يقطعها خلال نصف ساعة باتت تحتاج إلى ساعات، ما اضطره إلى استخدام أكثر من وسيلة نقل عمومي للوصول إلى وجهته، بعدما كان يستطيع إنجاز حاجته بمركبته الخاصة خلال أقل من ساعة.
وأشار "العويوي" إلى أن الاعتداءات المتكررة ومخاطر التنقل، إلى جانب استنزاف الوقت والمال، باتت جزءًا من المعاناة اليومية للمواطنين والتجار.
925 عائقًا.. وشبكة تتسع
ولا تأتي هذه الشهادات بمعزل عن واقع أوسع توثقه البيانات الرسمية والأممية؛ فوفق أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، جرى توثيق 925 عائقًا دائمًا أو متقطعًا للحركة في الضفة الغربية، بما فيها شرق القدس، حتى كانون الأول/ديسمبر 2025.
وتؤثر هذه العوائق في حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني، بزيادة قدرها 43% عن المتوسط السنوي المسجل خلال العقدين السابقين، والبالغ 647 عائقًا.
وتضم هذه المنظومة 89 حاجزًا مأهولًا على مدار الساعة، و218 حاجزًا جزئيًا، و232 بوابة طرق، و114 إغلاقًا خطيًا، و167 سترة ترابية، و105 حواجز طرق.
فيما تشكل الحواجز والبوابات وحدها قرابة 60% من إجمالي عوائق الحركة. كما وثقت "أوتشا" إقامة أكثر من 120 بوابة طرق جديدة خلال عام 2025، سواء كبوابات منفردة أو ضمن حواجز جزئية.
وتشير المعطيات إلى أن 459 عائقًا على الأقل تعرقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية في الضفة، ما يدفع مئات آلاف المواطنين إلى استخدام طرق بديلة وأطول للوصول إلى أماكن العمل والخدمات، فيما تعرقل نسبة لا تقل عن 20% من العوائق الموثقة الوصول إلى الأراضي الزراعية.
وبحسب معطيات محدثة لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان، ارتفع عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والعوائق المرصودة في الضفة الغربية خلال عام 2026 إلى 942 حاجزًا وعائقًا.
ومن بين الحواجز والنقاط، 824 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة و118 عائقًا خطيًا من السواتر والخنادق وحواجز الطرق، فيما يصل مجموع أطوال العوائق الخطية إلى نحو 107.7 كيلومترات.
وخلال الشهرين السابقين لتقرير الهيئة الصادر في أيلول/سبتمبر، رُصدت 13 بوابة وحاجزًا ثابتًا جديدًا، بينها 10 بوابات في محافظة جنين وحدها، لترتفع نقاط الإغلاق الثابتة فيها من 16 إلى 26 نقطة، في مؤشر على استمرار اتساع شبكة القيود المفروضة على الحركة.
التنقل.. كلفة تتجاوز الوقت
ولا تقف تداعيات هذه القيود عند تأخير المواطنين على الطرق، إذ تنعكس بصورة مباشرة على قطاعات الصحة والتعليم والعمل والتجارة.
وتوضح بيانات "أوتشا" أن هذه العوائق تعرقل الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما فيها الرعاية الصحية والتعليم، كما تدفع المواطنين إلى طرق أطول، بما يعني زيادة استهلاك الوقود وارتفاع تكاليف النقل وخسارة ساعات من العمل، فضلًا عن تأخير وصول المنتجات الزراعية والغذائية إلى الأسواق.
وتزداد الكلفة في ظل الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات في الضفة الغربية؛ إذ بلغ سعر لتر بنزين 95 مع بداية تشرين الأول/أكتوبر 8.17 شواقل، مقابل 8.99 شواقل للتر الديزل، وفق التسعيرة الرسمية.
وبذلك، لا تصبح البوابة مجرد نقطة توقف على الطريق، بل عاملًا يضاعف كلفة التنقل؛ فكل مسار أطول يعني وقودًا أكثر، وكل ساعة انتظار تعني وقتًا ضائعًا، وكل تأخير في نقل البضائع يضيف كلفة جديدة إلى سلسلة التوريد وصولًا إلى المستهلك.
