لا تخشى أم عبيدة حلول فصل الشتاء، بسبب البرد والأمطار فحسب، بل لأن كل قطرة مطر قد تتحول إلى تهديد جديد لحياتها وحياة عائلتها داخل خيمة متهالكة، لا تقي من المياه ولا تصمد أمام الرياح.
وبين مرض الربو وارتفاع ضغط الدم، ورحلة البحث اليومية عن المياه، تعيش المرأة الفلسطينية النازحة في قطاع غزة أيامها مثقلة بالخوف، فيما يقترب الشتاء محمّلًا بمخاوف الغرق والبرد وفقدان ما تبقى من مقومات العيش.
داخل خيمة أقيمت في مدرسة تحولت إلى مركز للإيواء، لا تبدو الحياة لأم عبيدة سوى سلسلة متواصلة من المشقة؛ فالحصول على المياه يحتاج إلى رحلة شاقة، تبدأ بحمل أوعية التعبئة والنزول من مكان النزوح، ولا تنتهي بالوقوف في طوابير انتظار شاحنة المياه، في ظل أوضاع صحية وجسدية تزيد من صعوبة المهمة.
وتقول أم عبيدة لـ "وكالة سند للأنباء" إن عائلتها تعاني أوضاعًا معيشية قاسية على مختلف المستويات، موضحةً أن مرضها بالربو وارتفاع ضغط الدم يزيد من صعوبة تحمل أعباء النزوح، لا سيما مع اضطرارها إلى بذل جهد متواصل لتأمين المياه واحتياجات الأسرة الأساسية.
وتضيف أن الحصول على المياه لا يخلو من المعاناة، بدءًا من الوصول إلى مكان التعبئة، مرورًا بالانتظار في الدور، وصولًا إلى نقل المياه إلى الخيمة، في وقت تفتقر فيه العائلات النازحة إلى أبسط وسائل الراحة والحماية.
وتقول بمرارة: "نعاني من كل شيء، من المياه، ومن الخيام المهترئة التي تغرق في الشتاء، ولا نملك أدنى مقومات الحياة الإنسانية".
شتاء يطرق أبواب الخيام
ومع اقتراب موسم الأمطار، يتضاعف قلق أم عبيدة؛ فالخيمة التي لا توفر حماية كافية في الأيام العادية، قد تتحول مع أول منخفض جوي إلى مساحة تغمرها المياه، فيما يصبح البرد خطرًا إضافيًا على المرضى والأطفال وكبار السن، في ظل غياب المأوى الآمن والإمكانات اللازمة لمواجهة الظروف الجوية.
وتقول إن العائلة تعيش حالة من الخوف والترقب، خشية أن تستيقظ على مياه الأمطار وقد غمرت الخيمة وابتلت الأغطية والفراش، أو أن تعجز عن مواجهة البرد في ظل نقص مستلزمات الإيواء.
وتتابع: "إحنا خايفين من فصل الشتاء، من غرق الخيام والبرد. نحاول نمرّق فصل الشتا بخوف ورعب، بنصحى على المطر والمياه".
ولا يقتصر الخوف على ليلة ماطرة أو منخفض جوي عابر، بل يمتد إلى ما قد يحمله الشتاء من معاناة متكررة، في ظل النزوح المستمر والدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية، وغياب البدائل التي تتيح للعائلات العيش في أماكن آمنة.
وتبدو الخيام المتهالكة، بالنسبة إلى آلاف الأسر النازحة، مأوى اضطراريًا لا يوفر الحد الأدنى من الحماية، بينما لا تملك كثير من العائلات القدرة على استبدالها أو توفير أغطية وملابس شتوية تقيها قسوة الطقس.
"ما إلنا حياة زي أي حدا في العالم"
وبين المرض وشح المياه والخوف من الشتاء، تختصر أم عبيدة معاناة عائلتها في مناشدة تتجاوز حدود الخيمة التي تقيم فيها، لتعبّر عن حال آلاف النازحين الذين ينتظرون تدخلًا يخفف عنهم وطأة الظروف القاسية.
وتضيف: "نناشد العالم أن يقف معنا في جوعنا وتهجيرنا ومرضنا. إحنا بنعاني من كل شيء بعد ما دمرنا الاحتلال الإسرائيلي".
وتؤكد أن العائلات النازحة لا تطلب أكثر من حياة تحفظ كرامتها، ومأوى يحميها من المطر والبرد، ومياه تستطيع الحصول عليها دون مشقة، ورعاية تتيح للمرضى مواجهة ظروفهم الصحية دون أن تثقلهم أعباء النزوح.
وتختم حديثها بمرارة: "إحنا شعب كل حقوقه مضطهدة، ما إلنا حياة زي أي حدا في العالم".
أرقام تنذر بكارثة شتوية
ولا تنفصل معاناة أم عبيدة عن واقع إنساني أوسع يهدد مئات آلاف العائلات في قطاع غزة مع اقتراب الشتاء، فقد حذّرت وزارة التنمية الاجتماعية، في تقرير نشرته وكالة سند للأنباء في 13 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، من كارثة إنسانية تهدد نحو 300 ألف عائلة.
وتشير إلى أن قرابة 90% من الخيام المستخدمة في القطاع أصبحت مهترئة وممزقة وغير صالحة للسكن، نتيجة استهلاكها الطويل وتعرضها للشمس والرياح.
وأشار مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، في تقريره الصادر في 25 أيلول/سبتمبر 2026، إلى أن 94% من سكان قطاع غزة بحاجة عاجلة إلى المأوى والمستلزمات المنزلية الأساسية، فيما يعيش نحو 65% من الأسر في خيام ومساكن مؤقتة لا توفر حماية تُذكر من الظروف الجوية.
وتحذر هذه المؤشرات من أن الأمطار والرياح قد تفاقم أوضاع النازحين، في ظل تضرر الخيام، وضعف تصريف مياه الأمطار، ونقص الأغطية والملابس الدافئة، فضلًا عن المخاطر الصحية الناجمة عن تلوث المياه وتدهور ظروف الصرف الصحي.
وفي ظل هذه الظروف، لا يشكل الاستعداد للشتاء مجرد توفير مستلزمات موسمية، بل ضرورة لحماية حياة العائلات التي أنهكها النزوح وفقدان المنازل وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات اليومية.
ومع اقتراب الشتاء، يبقى السؤال معلّقًا فوق الخيام المتهالكة: كيف ستواجه عائلات غزة موسمًا جديدًا من المطر والبرد، فيما لا تزال تفتقر إلى المأوى الآمن وأبسط مقومات الحياة؟
