بعد عشرة أيام من مغادرة منازلهم قسراً تحت تهديد السلاح من الاحتلال الإسرائيلي، لا يزال أهالي أحياء الجلدة ودير بحة في مدينة الخليل ينتظرون لحظة العودة إلى بيوتهم، التي اضطروا إلى تركها في منتصف الليل، دون أن يعرفوا متى تنتهي معاناتهم أو متى يجتمع شمل عائلاتهم من جديد.
وفي مشهد تختلط فيه مشاعر الغضب بالحزن، خرج الأهالي، اليوم، في وقفة احتجاجية حاشدة، بمشاركة رجال ونساء وأطفال، للمطالبة بإنهاء تهجيرهم القسري والسماح لهم بالعودة الفورية إلى منازلهم، رافعين لافتات كتب عليها: «لا للتهجير»، و«أطفالنا في خطر»، و«لا نريد خياماً، نريد بيوتنا».
ولا يطالب الأهالي سوى بمأوى بديل أو خيام تؤويهم مؤقتاً، بل بحقهم في العودة إلى منازلهم واستعادة حياتهم التي انقلبت رأساً على عقب منذ أن أجبرتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي على مغادرتها.
وقال حجازي شاور، وهو نازح من حي الجلدة، إن أكثر من 250 عائلة تعيش حالة من التشتت منذ عشرة أيام، بعدما أُبعدت قسراً عن منازلها، مضيفاً أن العائلات لم تعد مجتمعة، إذ اضطر بعض الرجال إلى الإقامة لدى أقاربهم، فيما تقيم زوجاتهم وأطفالهم لدى عائلاتهن.
وأضاف شاور لـ"وكالة سند للأنباء " "نحن كأهالي الخليل نرفض الخيام، لا أحد منا ينام في خيمة، نريد العودة إلى بيوتنا..هذا لا يرضاه ضمير ولا قانون".
أما آمال شاور، النازحة من حي الجلدة، فتروي جانباً من المعاناة التي عاشتها عائلتها، قائلة إن جميع أفراد أسرتها، من أبنائها وزوجاتهم وأطفالهم الصغار، أُجبروا على مغادرة المنزل منتصف الليل، دون أن يرتكبوا أي ذنب.
وتقول لـ" وكالة سند للأنباء" إن قوات الاحتلال لم تسلمهم أمراً رسمياً بالإخلاء، بل حضر الجنود إلى المنزل وطالبوهم بالخروج فوراً، مهددين بقتل الجميع إذا لم يمتثلوا، لتجد العائلة نفسها أمام مصير مجهول، وأطفالها بلا مأوى مستقر.
وتتساءل آمال بحرقة: "ما ذنب أطفالي أن يناموا في الشوارع؟"، قبل أن توجه نداءً إلى العالم للتدخل وإنهاء معاناة الأهالي، مؤكدة أن إخراج الإنسان من منزله دون ذنب لا يقره أي قانون.
ولا تقتصر تداعيات التهجير على فقدان المأوى وتشتت العائلات، إذ امتدت لتطال مصادر رزق آلاف المواطنين، في ظل إغلاق عشرات المنشآت والمحلات التجارية في أحياء الجلدة ودير بحة وعقبة تفوح ومحيط جامعة القدس المفتوحة.
وقال عادل عمرو، عضو نقابة عمال النقل، لـ" وكالة سند للأنباء" إن المنطقة تعيش دماراً اقتصادياً واسعاً، مشيراً إلى أن نحو خمسة آلاف مواطن أُجبروا على مغادرة منازلهم، فيما تعطلت الأنشطة التجارية ومصادر الدخل بفعل الإغلاقات العسكرية.
وبالتوازي مع ذلك، انعكست الإجراءات العسكرية على حياة الطلبة، إذ حُرم نحو 80 ألف طالب من التعليم الوجاهي، واضطرت المؤسسات التعليمية إلى التحول للتعلم عن بُعد، وفقاً لمديرية التربية والتعليم.
وبين من ينتظر عودة أطفاله إلى غرفهم، ومن يحاول جمع أفراد أسرته تحت سقف واحد، ومن فقد مصدر رزقه، تتواصل معاناة آلاف الفلسطينيين الذين لا يعرفون موعداً لانتهاء نزوحهم.
ويطالب الأهالي المؤسسات الحقوقية والدولية والصليب الأحمر بالتدخل العاجل والضغط على سلطات الاحتلال للسماح لهم بالعودة إلى منازلهم، وإنهاء معاناة التهجير والتشتت التي فرضت عليهم منذ عشرة أيام.
وخلّف العدوان المتواصل تداعيات إنسانية واقتصادية واسعة، إذ أفادت معطيات بلدية الخليل أن أكثر من 3300 مواطن نزحوا أو تضرروا جراء العمليات العسكرية، ولا سيما في منطقتي الجلدة وعين دير بحة، فيما هدمت قوات الاحتلال 15 منزلًا ومنشأة بالكامل، وأغلقت 327 متجرًا في المدينة.
ووفق بيانات البلدية، تجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة 12 مليون شيقل يوميًا، أي ما يعادل نحو 3.8 ملايين دولار، فيما قُدرت خسائر البنية التحتية بأكثر من 6 ملايين شيقل، ونحو 500 ألف شيقل في قطاعي الصحة والبيئة.
وامتدت آثار العدوان إلى القطاع التعليمي، حيث حُرم نحو 80 ألف طالب وطالبة من الالتحاق بمدارسهم، نتيجة الإغلاقات والإجراءات العسكرية المفروضة على المدينة.
وفي مؤشر إضافي إلى اتساع نطاق التداعيات، أفادت تقارير محلية أن 537 عائلة أُجبرت على النزوح من منازلها، فيما تجاوز عدد المعتقلين في محافظة الخليل منذ بدء العدوان 115 مواطنًا، وفق أحدث المعطيات المنشورة.
ويواصل الاحتلال عدوانه على الخليل منذ 23 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، فارضًا حصارًا وإغلاقات مشددة على أحياء المدينة ومداخلها، في ظل عمليات اقتحام ومداهمة وتهجير قسري، طالت مئات العائلات وألحقت أضرارًا واسعة بالحياة اليومية والقطاعات الاقتصادية والخدمية.
