الساعة 00:00 م
الأربعاء 04 نوفمبر 2026
24° القدس
23° رام الله
23° الخليل
26° غزة
4.24 جنيه إسترليني
4.46 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.54 يورو
3.16 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

قفزة أسعار الغاز بالضفة.. أزمة قدرة شرائية تُعيد "بروتوكول باريس" إلى الواجهة

حجم الخط
ارتفاع سعر الغاز بالضفة
رام الله - وكالة سند للأنباء

تلقى المستهلك الفلسطيني في الضفة الغربية، مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، صدمة معيشية جديدة تمثلت في قفزة سريعة لأسعار الغاز المنزلي بنسبة 11% مقارنة بالشهر السابق.

وتأتي هذه الزيادة في توقيت حرج للغاية يتزامن مع ترقب دخول فصل الشتاء واشتداد البرودة، حيث يزداد الاعتماد اليومي على هذه السلعة الحيوية، وفي ظل أوضاع اقتصادية قاسية تئن تحت وطأتها معظم الأسر.

وبموجب التسعيرة الجديدة، ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي بوزن 12 كيلوغرامًا إلى 100 شيقل (بعد أن كانت بـ 90 شيقلاً في أكتوبر/ تشرين الأول)، فيما قفز سعر الأسطوانة ذات وزن 48 كيلوغراماً إلى 400 شيكل. وتظهر المقارنة السنوية لأسعار المحروقات بين الشهر الحالي والشهر ذاته من العام الماضي ارتفاعات لافتة في مختلف أنواع المحروقات، وفي مقدمتها الغاز.

استياء شعبي وتساؤلات عن "الصمود"

وأثار الارتفاع حالة واسعة من الاستياء الشعبي إزاء اتساع الفجوة بين شعارات الصمود والواقع الاقتصادي المؤلم، في ظل تراجع مصادر الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة.

وفي هذا السياق، وجّه الناشط والكاتب محرم البرغوثي انتقادات حادة لتفاقم الأعباء على المواطنين، متسائلاً عن جدوى الوعود الاقتصادية في ظل الغلاء والضرائب وتراجع القدرة الشرائية وغياب الرواتب.

وقال البرغوثي في منشور له تابعته "وكالة سند للأنباء": ""جرة الغاز بـ 33 دولارًا، أي ما يعادل نحو 100 شيكل و23 دينارًا، وما زالت هيئة البترول هي المسؤولة عن هذا القطاع، فكيف سيكون الحال عندما تتولى الشركة الموعودة المسؤولية؟".

وكان الرئيس محمود عباس قد أصدر مؤخراً قراراً بقانون بإنشاء "الشركة الوطنية للمحروقات" كشركة مساهمة خصوصية مملوكة بالكامل للدولة لتتولى استيراد وتخزين وبيع وتوزيع المحروقات والغاز المسال.

وتابع البرغوثي متسائلاً عن واقع المواطن الفلسطيني: "ضرائب وغـلاء وفقر وبطالة، وسرقوا الزيتونات ومنعونا من قطف الزعتر من الجبال، والرواتب غائبة، ثم نرفع شعار الصمود... كيف يمكن للمواطن أن يصمد في ظل هذه الظروف؟ فهمونا!".

 

"هيئة البترول": الارتفاع من المصدر

وردًا على موجة الاستياء، أصدرت الهيئة العامة للبترول بيانًا توضيحيًا بينت فيه أن ارتفاع أسعار الغاز مرتبط بالمصدر أساساً نتيجة أجواء التصعيد الإقليمي واضطرابات إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف النقل.

وأكدت الهيئة أنه لم يطرأ أي زيادة على الضرائب التي يجبيها الاحتلال ويحتجزها، كما لم يُعدّل هامش ربح محطات الغاز والموزعين، مشيرة إلى محدودية هامش تدخلها في الأسعار مع تعمق الأزمة المالية الناتجة عن قرصنة الاحتلال لأموال المقاصة الفلسطينية للشهر التاسع عشر على التوالي.

وأوضحت أنها تبحث عن أي إمكانية متاحة للتدخل وتخفيف العبء عن المواطنين، إلى حين استعادة التوازن في أسعار الطاقة عالمياً ومحلياً.

دعوات المقاطعة.. كوميديا سوداء أم "مراهقة مجتمعية"؟

وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تحول غلاء الغاز إلى مادة للكوميديا السوداء عبر منشورات ساخرة، بالتوازي مع إطلاق دعوات شعبية لمقاطعة شراء الغاز حتى تعود أسعاره إلى طبيعتها.

إلا أن الكاتب شداد عبد الحق يصف دعوات المقاطعة التي تطلق مع كل ارتفاع بـ "المقاطعة المراهقة"، معتبرًا إياها هروبًا من مسؤولية مواطنية مجتمعية لوضع الإصبع داخل الجرح.

ويبيّن عبد الحق لـ "وكالة سند للأنباء" أن الأزمة ليست تلاعبًا بالأسعار على المستوى العام، بل أزمة في هيكلية سعر السلعة والخدمة.

ويوضح أن سبب المشكلة يعود لخلل عميق ومتراكم لعقود يتجاوز الربح والخسارة وتكاليف الاستيراد إلى بنية الضرائب واعتماد الحكومة الزائد على إيراداتها، وبالتالي فإن المقاطعة لا تشكل حلاً، مضيفاً: "المشكلة أعمق، وتحتاج رؤية وخطوة أكثر عقلانية واتزانًا من هذه المراهقة التي لا تعدو كونها فشّة غل تحاول جلد ذات المواطن وتحميله كل الذنوب".

من جانبها، حذرت جمعية حماية المستهلك الفلسطيني من أن الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات والغاز يهدد الأمن الغذائي والقدرة الشرائية.

وأوضح الناطق الإعلامي باسم الجمعية، محمد شاهين، لـ "وكالة سند للأنباء"، أن هذه الارتفاعات تشكل عبئًا إضافيًا في ظل تراجع مستويات الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتزامنها مع إجراءات الاحتلال الهادفة لاقتلاع الشعب الفلسطيني وعزله عن أرضه وضرب قدراته الاقتصادية.

ولفت شاهين إلى أن الخطورة لا تكمن فقط في الزيادة المباشرة عند شراء أسطوانة الغاز، بل في آثارها المتسلسلة على مجمل النشاط الاقتصادي وتكاليف التشغيل للمطاعم والمخابز والمنشآت الصغيرة، مما يؤدي لتحميل المستهلك النهائي جزءاً إضافياً، وتوسيع دائرة الفقر بين الفئات ذات الدخل المحدود التي لا تمتلك هوامش مالية لامتصاص الزيادات.

وطالب شاهين باتخاذ إجراءات عاجلة تشمل مراجعة الضرائب والرسوم، وتخصيص دعم مباشر للأسر الفقيرة، وتخفيف تكاليف الطاقة عن القطاعات الإنتاجية الحيوية، وتكثيف الرقابة لمنع الاستغلال، مشددًا أن حماية القدرة الشرائية للمواطن "مسؤولية وطنية واقتصادية واجتماعية، وليست خياراً مؤجلاً".

مجتمع منهك وبروتوكول باريس.. أصل الأزمة

وفي التحليل الاقتصادي، يؤكد الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة أن الغاز سلعة استهلاكية أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، وارتفاعها يمس المواطن مباشرة في مجتمع منهك بعد 3 سنوات من العدوان على غزة والضفة، حيث انزلقت عشرات الآلاف من الأسر إلى خط الفقر الوطني بسبب ارتفاع البطالة بالضفة إلى 28% وتراجع الناتج المحلي الإجمالي، مما جعل المنَعة المالية للمواطنين محدودة للغاية.

ويرى عفانة لـ "وكالة سند للأنباء" ضرورة بحث الحكومة عن طرق لتخفيض التكلفة بدلاً من ترك المواطن عرضة لتقلبات الأسعار العالمية والضغط الإسرائيلي.

ويشرح عفانة جذور المشكلة المرتبطة بـ "بروتوكول باريس الاقتصادي" (1994)، والذي يلزم السلطة الفلسطينية بشراء كامل حاجتها من المشتقات النفطية من إسرائيل. ويشمل سعر الليتر أو الغاز الذي يدفعه المواطن: التكلفة الأساسية، تكلفة المصفاة، الخدمات اللوجستية، ضريبة القيمة المضافة (16%)، وضريبة "البلو" (مبلغ مقطوع يبلغ نحو 3.5 شيكل).

ويبيّن أن الاتفاقيات تلزم السلطة بدفع كافة الرسوم بما فيها ضريبة "البلو" البالغ قيمتها السنوية 3.5 مليار شيكل (وهي المكون الثاني لأموال المقاصة بعد الجمارك).

وكانت السلطة سابقاً تدعم المحروقات مع احتفاظها بقيمة ضريبة "البلو"، لكن بعد توقف "إسرائيل" الكلي عن تحويل أموال المقاصة منذ مايو/ أيار 2025، أصبحت أي خطوة دعم حكومي تستنزف الإيرادات المتاحة مباشرة.

ونبّه إلى ضرورة إحالة جباية ضريبة "البلو" للجانب الفلسطيني للتحكم فيها وتخفيف الأعباء، مؤكدًا أن "فتح بروتوكول باريس وكافة الاتفاقيات مع الشركات الإسرائيلية للنقاش هو الحل الحقيقي، وبدونه تبقى كافة الإجراءات مجرد حلول ترقيعية".