"إيمان".. بكرسيها المتحرك تفتح دروب الخير

حجم الخط
87204016_218619666201289_5403120582659145728_n.jpg
غزة – وكالة سند للأنباء:

على كرسيها الصغير المتحرك، تجلس إيمان ويجتمع من حولها فتياتٌ صغيرات يرتدين لباس الصلاة، يرددن آي القران الكريم من بعدها، تهبهم ابتسامتها الجميلة، وتمنحهم كلمات التشجيع والامتنان.

لم تكن لتهب الحياة إيمان جسداً سليماً معافياً كغيرها، كُتب القدر أن تولد بإعاقة جسدية منذ اللحظة الأولى لخروجها على هذه الدنيا.

إعاقةٌ لم تسلب معها نعمة الإصرار على تحدي كل صعاب الحياة التي تواجهها، فاستعانت إيمان بعون الرضا لتكتب تفاصيل حياتها كما تريد، وتصنع من ذاتها رقماً مميزاً في مجتمعها، وبصمة واضحة تُخلد اسمها أينما ذهبت.

عقد وثيق

لم تستطع الشابة إيمان أبو صبحة (33 عاماً) إكمال دراستها الإعدادية، بسبب صعوبة الحركة والتنقل من وإلى المدرسة، عدا عن عزوف المدارس آنذاك عن قبول ذوي الاحتياجات الخاصة.

بعد أن أغلق درب، تفتحت دروب أخرى في قلب إيمان، لتوجه كل حبها وجهدها في حفظ كتاب الله تعالى، لتقيم عقداً وثيقاً بينها وبين مسجدها القريب من بيتها في مدينة خانيونس، ليُصبح بيتها الثاني.

ولأنّ لكل شخصٍ من اسمه نصيب، امتلأت إيمان بالإيمان الكبير، وتعاهدت مع نفسها أن تسير في هذا الطريق، لتستيقظ مع كل صباح، تنفض عن نفسها فكرة الركون إلى الكرسي الذي تجلس عليه، وتحاول الوصول إلى مسجدها رغم صعوبة الطريق.

عونٌ دائم منحته إياها عائلتها، التي كانت سنداً حقيقياً تركن إليه إيمان في كل حالتها، فكانوا يداً حانياً على روحها، وكلمةً صادقةً تمنحها عظيم الإرادة، ودعماً كاملاً لترسى على طريق الخير والأمان.

طريقٌ ليست بالهينة، لكن قراراً أقسمت أبو صبحة على السير فيه، بدأت بحفظ صفحة من آيات القرآن الكريم في كل يوم، ثم صفحتين، وصولاً إلى حفظها للقرآن الكريم كاملاً، وحصولها على إجازة السند المتصل عن رسول الله" صلى الله عليه وسلم".

ولأن المسجد بيتها الذي تجد فيه خشوع الحياة وتمتلأ بالرضا تحت سقفه، تطوعت إيمان فيه من أجل تحفيظ القرآن الكريم، لتلتحق بعد ذلك بمسابقة للقرآن الكريم على مستوى قطاع غزة.

لكل مجتهد نصيب

"لكل مجتهدٍ نصيب"، وجهد إيمان لم يذهب سدى، لتحصل على المركز الأول في المسابقة، ومن ثم تم تعيينها على بند "البطالة" في المسجد الذي ترعرعت فيه وسقت قلبها فيه همةً وإيماناً، لتبدأ رحلتها مع 50 طالبة في حفظ كتاب الله.

"أشعر بسعادة كبيرة حينما أُحفظ كتاب الله، وخاصة فئة الأطفال، فكتاب الله لا يعرف عمراً، والأطفال يمتلكون القدرة على الحفظ والاستجابة بشكل سريع، وكما يقولون التعليم في الصغر كالنقش على الحجر" كما تقول أبو صبحة.

وتبين أنّ كل حرف استطاعت تحفيظه لمن حولها، هو رصيدها الذي يوصلها إلى رضا الرحمن، والجنة بإذن الله، بالإضافة إلى المواعظ التي تقدمها لرواد المسجد من النساء والفتيات والأطفال.

وعن سبب الإعاقة، تقول أبو صبحة، أن والدتها كانت حاملاً فيها بالشهر التاسع، وزارت الطبيب بسبب أوجاعها، فصرف لها دواء تسبب فيما بعد بضمور في جسد إيمان، ونقص للكالسيوم، ولين في العظام.

 بدأت معاناة إيمان منذ أول لحظة تنفست فيها هذه الحياة، فعندما يلمسها أي شخص تتكسر عظامها نتيجة ليونتها، وذهبت للعلاج في جمهورية مصر، إلا أن رحلة علاجها باءت جميعها بالفشل.

إيمانٌ بالحياة

سنواتٌ طويلة، كانت ذخيرةً تزداد فيها إيمان همةً في السعي بهذه الحياة، تسابق الأسوياء في حلمها، وتروّض الكرسي المتحرك الذي تجلس عليه من أجل خدمة مرادها وفتح دروب الخير لكل من حولها.

ولأن القرار إذا صحبه الإيمان، لن يقف في وجه أي عقبةٍ أو تحدي، قررت إيمان خوض عالم مواقع التواصل الاجتماعي، لتوصل رسالتها التي لطالما عاشت من أجلها إلى العالم الخارجي.

أطلقت إيمان قناتها على موقع يوتيوب العالمي، لإيصال رسالة لكل من يشاهدها، بأن الأشخاص ذوي الإعاقة فقدوا جزءاً من أعضائهم لكنهم لم يفقدوا الأمل بالحياة، ومسيرة التعليم يجب أن تستمر.

وتحاول إيمان أن تكون نموذجاً مشجعا ًلكل من يراها كي يتعلم منها درساً واحداً وهو أن الحياة تحتاج إلى الإرادة والإصرار، وأن الإعاقة لن تكون عائقاً إن أراد الشخص ذلك.