رمضـان بين زمنين.. هل اختفت عادات "الزمن الجميل"؟

حجم الخط
رمضان.jpg
غزة - وكالة سند للأنباء

كثيرة هي العادات الجميلة التي كانت تُقترن تلقائيًا بقدوم شهر رمضان المبارك على الفلسطينيين في قطاع غزة، بعضها لا زالت حاضرة، وأخرى دُفنت مع مرور الزمن ليُصبح الحديث عنها استرجاعًا للذكريات و"ليتها تعود يومًا".

عادةً تتزيّن مدينة غزّة في هذه الأيام، بالملامح الرمضانية المُبهجة، تمر في الحارات وأزقة المخيمات قبل موعد الإفطار بساعة، فتزكم أنفك روائح الأكلات التي تتنافس في الهواء، وفي الأسواق تسمع زقزقة عصافير معدتك من شهية المنتجات الرمضانية المعروضة على مدّ بصرك، أما بعد صلاة التروايح، تجد البيوت عامرة بـ "اللمّات وصلّة الأرحام"، التي قد تغيب طوال العام وتحضر في شهر الخير.

هذه ليست كُل العادات التي اعتادها الفلسطينيون في هذا الشهر، ثمّة تفاصيل من الزمن الجميل غائبة الآن، أو ربما اندمجت مع روح العصر، فلم تعد كما هي في السابق، وفي هذه المادة تعود بنا أم رمزي علي (75 عامًا) من شمال قطاع غزة إلى "رمضان زمان" والأيام الجميلة التي مضت وبعض العادات الحاضرة في ذكراتهم رغم غيابها عن المشهد الرمضاني في وقتنا الحالي.

تستهل "أم رمزي" حديثها لـ "وكالة سند للأنباء": "فرحتنا كانت كبيرة بقدوم الشهر الفضيل، لأنه لا يأتي إلا وهو محمّل بالإحسان والتسامح والشعور بالفقراء والمساكين، إنه قالب من الخير والرحمّة هذا هو الوصف الحقيقي".

أول ما كان يستقبل به الفلسطينيون شهر رمضان، هو التسامح والصُلح بين المتخاصمين، تقول: "احترامًا وإكرامًا لهذا الشهر، المتخاصمون يتصالحون، يتنهي ما بينهما من زعل مهما كان كبيرًا، الفجوة تذوب، وتستقبل القلوب رمضان بصفاءٍ ومحبة، هل هذه العادة حاضرة الآن؟ للأسف نادرًا ما تجدها".

أيضًا.. الروابط الاجتماعية بين الأقارب والجيران كانت "قوية ومتماسكة"، كما تصفها "أم رمزي"،  فميسور الحال فيهم، يُفكر بغيره ممن ساءت به الأحوال وضاقت به الظروف، هو شهر "الشعور بالغير، خاصة الفقراء، تُلبى احتياجاتهم تمامًا، كما نُلبي احتياجات بيوتنا في رمضان"، حسب قولها.

"مسحراتي زمان"

"اصحي يا نايم وحد الدايم.. رمضان كريم، " صوت جَهور يصدح في الليالي الرمضانية، يُوقظ النائمين على موعد السحور، "لا يترك المسحراتي بيتًا إلا ويطرق بابه، كان أهل القرية يتهافتون لتقديم الماء والتمر له وأحيانًا وجبة السحور".

وتُشير "أم رمزي" إلى أن المسحراتي قديمًا كان من الرجال الكِبار في الحارة، له قدره ومكانته، ويتملك صوتًا جميلًا روحانيًا، مردفةً: "اليوم المسحراتي موجود، بقالب الشباب الصغِار، وبنوعٍ من اللهو والفكاهة".

وكان الناس قديمًا يعرفون موعد الإفطار، أما بصوت مدفع الحيّ، حيث يقف الأطفال والفتية على أعلى تلّة، يتنظرون بشوقٍ ضَرب المدفع، ثم يعودون إلى بيوتهم فرحين ليخبروا أهليهم بدخول موعد الإفطار.

أما الأسلوب الثاني الذي كان يعرف الناس به موعد الإفطار "مآذن المساجد تنوّر"، لا تنسى الحاجة "أم رمزي" هذه الذكريات، تصفِها بـ "أجمّل الأيام"، كان لانتظار الصائم لذّة مختفلة.

ومن الطبيعي أن تجد على سفرة العوائل الفلسطينية عدة أنواع من الطعام، والمشروبات الرمضانية، لماذا؟ تردّ "أم رمزي": "اللقمة كانت بيننا مشتركة، نتبادل مع الجيران الأطباق الرمضانية، لذا قبيل آذان المغرب تجد على السفرة ما لذّ وطاب من المأكولات، وهذا يُزيد من الترابط الاجتماعي".

وفي سؤالي عن "صلة الأرحام"، تؤكد "أم رمزي" أنها كانت "موجودة في كل الشهور، وليس فقط في شهر رمضان، لكنّها تزداد في هذا الشهر، على خلاف عادات جيل اليوم، الذي لا يتذكر رحمه إلا مرة بالسنة"، وفق وقولها.

وتتابع "أم رمزي" بنبرة تحسر: "الأبواب أصبحت مغلقة، فمن يريد زيارة جاره أو قرببه، عليه أخذ موعد مسبق، لم يعد صدر البيت لهم والعتبة إلنا، غابت الأُلفة الحقيقة بين الناس".

ستبقى "اللمّة الرمضانية" وشعور الدفء الذي تبعثه في النفس أيام زمان، ذكرى تُؤرق "أم رمزي"، بعد تنهيدة أكملت: "العزوة.. شيء ثمين هل يعرف أولادنا وأحفادنا هذا؟ إنهم لن يشعروا بهذه النعمة إلا إذا فقدوها كما فقدناها مع أهلينا الذين غيّبهم الموت، التكنولوجيا احتلت تفكيرهم وحالت بينهم وبين هذه العادة الجميلة".

صمت خيّم للحظات، نظرت إليّ في دهشةٍ غريبة، تعتقد أنني لم أم أفهم ما تقصده، لكنّ في وجهها كانت القصّة كاملة، إنها تحكي جزءًا من رواية تُشبه الطمأنينة المفقودة التي يبحث عنها الجميع في زمنٍ امتلأ بالخوف.

عادت لتتابع سردها عن أجمّل العادات الرمضانية المفقودة، وعلى ملامحها ابتسامة وادعة: "الاجتماع لأداء صلاة التروايح، ثم يجتمع الرجال ليلًا في مجالس الكِبار والمخاتير، يتسامرون ويتبادلون أطراف الحديث، ويختلفون بالآراء طبعًا، خاصة السياسة لكنّ ذلك لم يُفقدهم الود القائم بينهم".

"الجود من الموجود" قالت "أم رمزي" ذلك، عندما سألتها عن الأكلات التي تتزين بها الموائد الرمضانية قديمًا سيما في العزائم، مستطردةً: "كنّا نُقيم الولائم، بتلقائية وبساطة، نُقدم أفضل ما لدينا، لكنّ دون تكلف أو فوق طاقتنا، المهم هو لمتّنا بالحبايب".

أما عن رمضان الحاضر، فتجد أن الكثير من العادات والتقاليد الغريبة التي أُدخلت علينا، وأصبح "التباهي بالمعروض أهمّ من اللمّة وشعور الأُنس بها، لقد اندثرت بعض المأكولات الشعبية الفلسطينية لتحل محلها مأكولات لبنانية وخليجية وغربية".