الحاج "محمد" شاهد على النكّبة: لا تنسوا الفالوجة

حجم الخط
الحاج محمد رضوان ابو رضوان.jpg
الخليل - نزار الفالوجي - وكالة سند للأنباء

اثنان وسبعون عامًا مرّت على النكبة الفلسطينية، لكنّ أيام "الفالوجة" لم تَغب يومًا عن ذاكرته رغم تقدمه في العمر، الطفولة، أيام العز، الحارات، الجيران، خيرات الأرض، مواسم الحصاد، الليالي المِلاح وأفراح البلاد المُهبجة، النكبة وشقاء ما بعدها الذي لازال مستمرًا حتى يومنا هذا، ومفتاح مُخبئ في صدره على أمل العودة إلى الديار.

محمد رضوان أبو رضوان، من مواليد عام 1927، كان من بين الذين هُجروا قسرًا عام 1948 من قرية الفالوجة، إحدى القرى الفلسطينية المهجرة وتقع بين غزة والخليل، يسرد في هذا التقرير لـ "وكالة سند للأنباء" جزءًا من تفاصيل حياتهم أيام البلاد وعزها، مرورًا بالنكبة ومآسيها.

يقول "أبو رضوان": "كانت أيام عزّ وكرم لا تُنسى، ففي الفالوجة كان رجال وشباب البلدة يلتقون بصورةٍ شبه يومية، يتسامرون على وقَع أحاديث الكِبار ومَرح الشباب، وفي الأفراح نُقيم الليالي الملاح قبل موعد الزفاف بأسبوع، كانت فرحتنا صادقة".

وأنت تستمع إلى حديث "أبو رضوان" كغيره من الشاهدين على حياة الفلسطينيين قبل نكبّة 48، تتيقن أن ليست كل القضايا يُمكن نسيانها بتقادم السنين.

 يُردف بصوتٍ حزين: "بعد النكبة أصبحنا كل واحد في دولة، لم يعد أهل الفالوجة يجتمعون كما السابق، وباتت أيامنا تُشبه بعضها، في البلاد كانت أيامنا جنّة".

تذكر "أبو رضوان" أيضًا وهو يُحدثنا عن "أيام البلاد"، موسم الحصاد في الفالوجة، فأهل القرية كانوا يزرعون أراضيهم المعروف عن "خصوبتها" بمختلف المحاصيل مثل القمح والشعير والحمص والشمام والكوسا والفقوس، والذرة.

وكان معروف عن مزارعي قرية الفالوجة بأنهم يتمتعون بدخل مادي مرتفع، كما يقول، ففي موسم حصاد المحاصيل، ولكثرة ما تُنتجه الأرض، كانوا يلجأون إلى الآبار لحفظ الثمار والحبوب، فالأكياس لا تسعها.

وكان لأهل الفالوجة سوق مشهور، يلتقي به التجّار من كافة أنحاء فلسطين، كل يوم خميس، لذا كان يُسمى بـ "سوق الخميس"، يتحدث "أبو رضوان" عنه: "في هذا السوق كنّا نعرض خيرات أرضنا للبيع، آهٍ ما أحلاها من أيام".

الفالوجة ليلة النكبة

عندما تسأل أي فلسطيني شاهد على أحداث النكبة، ستجد كل المآسي تكومت في ملامح وجهه وتجاعيده، ليس سهلًا أن يعود المرء إلى تفاصيل قلبت حياته رأسًا على عقب، ومعها قُلبت المعادلة ليُصبح أصحاب الدار أغراب، بينما مغتصيبها "مواطنين".

يستذكر "أبو رضوان": " ليلة الخروج من الفالوجة في رحلة تراجيدية مأساوية محفوفة بالموت حيث قرر كبار السن من الرجال الخروج مجموعات مجموعات صغيرة حتى لا تعترض طريقهم العصابات الصهيونية فتقتلهم".

كان "أبو رضوان" شابًا، توجه برفقة عائلته صوب محافظة الخليل ومكثوا في كهف من كهوف بلدة الدوايمة قضاء الخليل ليومين.

ولم يُنكر الخوف الذي اعتراهم سيما بعد سماعهم عن جرائم العصابات الصهيونية في دير ياسين والدواية وغيرها من البلدات الفلسطينية، يقول بصوتٍ مرتجف: "كنا عندما يبكى طفل في حضن أمه صرخنا عليها، ضعي قماشة في فمه حتى لا يقتلنا اليهود".

يُشير الحاج "أبو رضوان" أن بلدة الفالوجة آخر البلدات التي هُجر أهلها ونُكّل بهم إبان النكبة، حيث خرجوا منها بعد حصار قاسٍ طويل عام 1949م وفق اتفاقية رودوس.

كانت رحلة قاسية قبل أن تستقر عائلة "أبو رضوان" في الخليل على أمل العودة إلى بلدتهم الأصلية، يُتابع سرد الأحداث: "سرنا مشيًا على الأقدام لأيام طويلة عبر الجبال والأودية، كنّا كلما تحرك الشجر أو سمعنا صوت من بيعد نشعر أننا اقتربنا من الموت وأن العصابات الصهيونية خلفنا".

"خوف، جوع وعطش".. هكذا مرّت الأيام أثناء هجرتهم، فكّر شباب العائلة في إحدى الأيام أن يُشعلوا النار ليخبزوا ويُطعموا النساء والأطفال، لكنّ الخوف من القتل منعهم "فآثرنا الحياة على الجوع، يقول "أبو رضوان".

ذكريات قاسية مرّت على ذاكرة "أبو رضوان"، وتفاصيل لم ينسَ أبسطها، إن الحقوق لا تسقط بالتقادم بل تزيد أصحابها تشبثًا يختم حديثه معنا والتنهيدة سبقت كلماته: "لا تنسوا الفالوجة.. لا تنسوا البلاد.