"لن نفقد الأمل" ردٌ لا يمل منه رب البيت

بالصور عذاباتٌ لا تُطاق تعيشها عائلة مقدسية بمنزلها الذي سرقه المستوطنون

حجم الخط
IMG-20200713-WA0052.jpg
غزة/ القدس – وكالة سند للأنباء

في حيّ الشيخ جراح الواقع على سفوح جبل المشارف إلى الشّمال من البلدة القديمة في مدينة القدس، تعيش العوائل الفلسطينية يوميًا صراعًا مع الاحتلال وأطماع مستوطنيه، من أجل البقاء، فهنا كل شيء مهدد بـ "المصادرة" بمزاعم كاذبة تُنافي تاريخ المكان وواقعه.

هل تخيلت يومًا أن تتقاسم بيتك مع عدوك، ويكون مدخل منزلكما واحد؟ من يأتي إليك عليه المرور به أولًا، وإذا قررت السمر مع عائلتك في حديقة المنزل فإنك لن تسلم من استفزازته، ثم يُصبح "شغلك الشاغل" حراسة بيتك وأطفالك من "اعتداءات عدوك القذرة"، هل تخيلت صعوبة الموقف!

عائلة الكرد، واحدة من العوائل التي تحوّلت حياتهم إلى "جحيم" بعد استيلاء المستوطنين على نصف منزلهم في حي الشيخ جراح، إلا أنهم صمدوا، ورفعوا شعار "لن نرحل".. فهذه كلمات الجدّة "أم نبيل" وورثتها لأحفادها، قبل أن ترحل عن هذه الدنيا.

IMG-20200713-WA0051.jpg

منى الكرد (22 عامًا) صحفية مقدسية، تعيش مع عائلتها في الحيّ المقدسي، تحكي لـ "وكالة سند للأنباء" قصّة استيلاء سلطات الاحتلال الإسرائيلي على جزءٍ من منزلهم لأجل أهداف استيطانية في القدس.

تقول منى الكرد: "جدي قبل نكبة 1948، نقل بشكلٍ مؤقت مكان سكنه من القدس إلى مدينة حيفا بسبب ظروف عمله، ثم جاءت النكبة وهُجروا إلى الأردن ثم أريحا ثم تمكنّوا من العودة إلى القدس".

وفي عام 1956، أنشئ حي الشيخ جراح، بموجب اتفاقية وقعت بين وكالة "أونروا" والحكومة الأردنية، وفي حينه استوعب 28 عائلة فلسطينية هجرت من أراضيها، وكانت عائلة الكرد واحدة منهم.

وبموجب هذه الاتفاقية يتم التخلي عن حقوقهم كـ "لاجئين" مقابل امتلاكهم بيوت في حيّ الشيخ جراح بمدينة القدس، تُردف "منى": "بالفعل تم الاتفاق وتمكّنت جدتي من العودة إلى بيتهم الأول، ولا تتجاوز مساحته الـ 80 مترًا".

في عام 2000، قرر والد "منى" بناء بيت صغير بجوار بيت أمه "أم نبيل"، كون بيتها لم يعد يتسع لعائلته بعد الزواج والإنجاب، وحاول مراتٍ عديدة الحصول على ترخيص للبناء، لكنّ الرفض، كان الجواب الوحيد من بلدية الاحتلال بالقدس.

الرفض المستمر، دفع نبيل الكرد، إلى البناء دون ترخيص، وعندما شارف على الانتهاء من تجهيزات منزله، جاء قاضي محكمة الاحتلال إلى المنزل، وسحب مفاتيحه، وظّل مغلقًا لتسع سنواتٍ متواصلة.

سلطات الاحتلال لم تكتفِ بإغلاق المنزل، بل اتجهت نحو فرض غرامات مالية باهظة على عائلة الكرد، بلغت نحو 100 ألف شيكل.

وفي نوفمبر/ تشرين التاني، من عام 2009، حدث ما لم يكن متوقعًا لعائلة الكرد.. يُعاد فتح المنزل لكنّ ليس لأصحابه، بل للمستوطنين، وكما تُحدثنا "مني" فإنه يتم اختيارهم بعناية من الجمعيات الاستيطانية في الحيّ.

IMG-20200713-WA0048.jpg


البيت أُصدر بحقه قرارات إسرائيلية بالهدم خلال السنوات التي أغلق فيها، إلا أن عائلة الكرد كانت متمسكة بأمل "إعادة فتحه لهم" فعملت عبر المحامين على تأجيل قرار الهدم، لكنّ بعد سماح الاحتلال للمستوطنين السكن فيه، قدمت العائلة إلى المحكمة اقتراحًا بـ "هدم المنزل ذاتيًا، ولا يسكن فيه مستوطن"، الأخيرة رفضت المقترح.

وتستطرد: "كل شهرين تقريبًا يتم تغيير المستوطنين، ويُدفع لهم مبالغ مالية لمكوثهم في المنزل، وتنفيذهم أوامر التغنيص علينا وتشديد الخناق الهادف إلى ترحيلنا مما تبقى من منزلنا".

سألتها عن الهدف من تغيير المستوطنين كل مدة؟ فأجابت "منى" "الاحتلال يخاف من التعود وإقامة علاقات ودية فيما بيينا، لذا يعمل على تبديلهم كل فترة، لكنّ فشر".

"منى" لا تنسى السنوات الأولى التي سكن فيها المستوطنون بيتهم، والمضايقات التي تعرضوا لها في سبيل ترحيلهم، تقول إنها كلما مرّت من باب منزلهم تستذكر "بشاعة ما حدث، وما تبعه من استفزازات".

تُخبرنا أن المناوشات كانت تحدث بينهم على الدوام، لكنّ الشرطة الإسرائيلية كانت تُماطل في المجئ وأحيانًا على لا ترد على اتصالاتهم، أما إذا "المتصل المشتكي هم المستوطنين، فتجد الشرطة مزروعة في البيت لحمايتهم".

IMG-20200713-WA0058.jpg

خيمة الصمود

نصبت عائلة الكرد خيمة في مدخل المنزل وتناوب على التواجد بها متضامنون من مختلف الجنسيات، وتعرض هؤلاء لمضايقات عدة؛ تمثلت في سكب الحليب الفاسد عليهم، وإلقاء قمامة المراحيض عليهم، وقذف الجرذان عليهم أثناء نومهم، إطلاق كلابهم الشرسة عليهم، وبعد سنوات أضرم المستوطنون النيران في الخيمة وأحرقوها".

تصف "ضيفة سند" مضايقات المستوطنين بـ "المقززة"، فعدا عن وجودهم المستفز، ورفع الأعلام الإسرائيلية على الدوام، والاعتداءات المستمرة، فإن نفاياتهم تغرق مدخل المنزل، يعيثون في المنزل خرابًا، حتى الأشجار أعدموها، لكنّ ظلّت شجرة الزيتون واقفة صامدة في وجههم.

113091049_938608009941448_6827034690951868401_n.jpg

الوالد نبيل الكرد، يجلس لساعاتٍ طويلة على كرسيه بمدخل المنزل، لمراقبة المستوطنين، تحسبا لأي اعتداء مفاجئ منهم على بقية منزله وأفراد أسرته.

أثناء حديث "منى" عن والدها كانت نبرة صوتها قوية، فهو الذي تستمد منه الأمل في وجه كل ما يتعرضون له "والدي من أكثر الأشخاص الذين لا ينقطع لديهم الأمل، ففي كل جلسة للمحكمة أنظر إليه فيرد لسا في أمل، راح يرجلعنا البيت".

سردت لنا موقفًا حدث عام 2003 بين والدها ووزير السياحة الإسرائيلية "بني آيلون" حيث كان المنزل تحت قرار الإغلاق، طلب الأخير من والدها التنازل عن المنزل مقابل "شيك مالي" مفتوح، فردّ "شيل ايدك عن سور البيت، هذا بيتي عشت فيه وراح أموت فيه".

في الختام سألت "هل من إضافة؟"، تصمت قليلًا قبل أن تُرد: "من الصعب التعايش مع الأمر رغم مرور 11 عامًا على إخلاء المنزل وسرقته، لم نسكت يومًا عن حقنا وسنظّل هنّا ولن نرحل إلى أن تُرد الحقوق لأصحابها".