المعلمة "الأسطل".. ثمانينية لم يسلب العمر عطاءها

حجم الخط
TZYOH.jpeg
غزة – وكالة سند للأنباء

حين لا يكون للمتعلم حجةّ في طلبه أو منحه بعمر محدد، تجد الثمانينية إكرام الأسطل خير دليل على هذا الحديث، حينَ أدهشت الجميع بعطاءها الذي لم ينضب بعد مرور 20 عاماً على انتهاء مشوارها في سلك التدريس لمادة الرياضات.

بجسدٍ أنهكه الزمن، وتجاعيد حفرت طريقها في وجه الأسطل، لم تكن همتها لتفتر، حين عادت للعمل بشكل تطوعي لمساعدة الطلبة حولها على فهم موادهم التعليمية وخاصة "الرياضيات"، بعد أن اجتاح وباء "كورونا" قطاع غزة، وأغلقت المدارس وبدء التعليم الإلكتروني عن بعد.

طرق جذابة

بعد ظهور العديد من الشكاوي وعلامات التذمر من قبل الأهالي، وعدهم قدرتهم على مواكبة التعليم الالكتروني، وفهم المواد بشكل سلس عبر المواقع المخصصة، ارتأت الأسطل أن تواصل مسيرة عطاءها وأن تمنح وقتها للطلبة من حولها.

بُقبل الطلبة على المعلمة الأسطل من كل بيتٍ حولها، يطلبون مساعدتها في شرح دروس مادة الرياضيات التي يُستعصى عليهم فهمها، كونها تملك طريقة جذابة وسلسة في إدخال المعلومات لعقل الطلبة بطريقة سهلة.

ولدت الأسطل في مدينة خانيونس عام ١٩٤٠، بعد انتهاءها من مرحلة الثانوية العامة، سجلت في جامعة الإسكندرية قسم الحقوق، وفي ذات العام قُدمت لها منحة تعليمية في البحرين، فسافرت للالتحاق بها.

قضت الأسطل وقتها بين التعلّم والتدريس هناك، والتحقت في العديد من الدورات التدريبية التي ساعدتها كثيراً في جعلها قادرة على ربط مادة الرياضيات بالواقع الذي يعيشه الطلبة من أجل تسهيل استيعاب المسائل الحسابية.

وقد عملت الأسطل كمعلمة في دولة البحرين منذ عام 1964 ولمدة 33 عاماً، لتعود إلى قطاع غزة عام 1995 وتستكمل مسيرتها المهنية لمدة 10 أعوام أخرى، إلى أن أحيلت إلى التقاعد بعد بلوغها ستون عاماً.

استغلال للواقع

وعن عودتها للتعليم تقول الأسطل لـ"وكالة سند للأنباء" أن الفكرة بدأت حينما قَدمت إحدى جاراتها لزيارتها واشتكت من عدم قدرة ابنتها على استيعاب مسألة رياضية صعبة، لتسارع في مساعدتها والخروج بالحل الصحيح.

بعد استيعاب الفتاة للمسألة الرياضية وحلها اقترحت والدة الطفلة على الأسطل أن تشرح الدروس لمساندة ابنتها على استيعاب المادة من خلال تبسيطها، وقد تشجعت الطفلة لذلك، وبدأت مع الدروس المجانية عند الأسطل.

بعد معرفة الجيران من حول الأسطل بالأمر، سارع الجيران إلى إرسال أطفالهم إلى المعلمة الأسطل من أجل تعليمهم.

طريقة التعليم الفريدة التي تستخدمها الأسطل في شرح دروس الرياضيات من خلال تسخير كل الأشياء من حولهم وتطويعها لتسهيل الفهم على الطلبة كاستخدام الساعة والكؤوس والبراويز وغيرها.

يتجمع الطلبة في منزل المعلمة الأسطل بمدينة غزة، يملؤهم الحماس والرغبة الشديدة في اكتساب كل ما يستطيعون من معرفة وطرق حل، علهم بذلك يستطيعون بناء علاقة طيبة مع مادة الرياضيات.

مساهمة مميزة

تفاعلٌ واضح يظهر على الطلبة بعد أن خففت عنهم المعلمة الأسطل عبء فهم المادة لوحدهم أو عبر التعليم الإلكتروني الذي يُصعب من عملية فهم المادة عن بعد.

وتوضح الأسطل أنها لا تتقاضي أي مقابل على شرحها للدروس، وأنها قبلت بالأمر لشعورها بأن الطلبة من حولهم بحاجة إليها، عدا عن أن هذا الأمر يمنحها السعادة الشديدة ويمنحها شعوراً بالنشاط بعد أن عاشت لسنوات طويلة ملل التقاعد.

مساهمة المعلمة الأسطل في منح الطلبة دروساً مجانياً، أسعدت قلوب أهالي الطلبة الذين يعانون من ظروف الأوضاع الاقتصادية والتي ضاعفتها جائحة كورونا في قطاع غزة، ما دفع الكثير من الناس للعزوف عن تسجيل أبناءهم في مراكز الدروس الخصوصية.

لا تتواني المعلمة الأسطل عن تقديم أي مساعدة للأمهات أو الأطفال الذين يعجزون عن فهم مادة الرياضيات، وقد تخرج العديد من الطلبة الذين علمتهم ليحملوا شهادات الطب والهندسة وغيرها.

وتشير الأسطل لـ"وكالة سند للأنباء" أنها كلما قدمت المساعدة والتعليم للطلبة من حولها، كلما شعرت بسعادة كبيرة كونها لازالت قادرة على العطاء، وأن العلم غير مرتبط بعمر محدد، وأن التعليم كل حياتها، والانسان يولد ولآخر يوم في عمره يبقى يُعلم ويتعلم.

الكثير من مشاعر الامتنان للحياة تغمر قلب الأسطل حينما ترى طالباتها من البحرين وغزة يداومن على التواصل معها والاستفسار عن حالها، والشكر على ما قدمته لهم، وأنها كانت شيئاً مميزاً بالنسبة إليهم.

ولا يزال حب الخير عامراً في قلب المعلمة الأسطل، حيث تقدم المساعدة لأي محتاج، دون انتظار أي مقابل عليه.