ترمب وإيران.. سيناريوهات الدقيقة 90

حجم الخط
460195360_0.jpg
طهران - وكالة سند للانباء

يتردد في الأوساط الإعلامية والسياسية أنباء عن نية واستعداد أمريكي إسرائيلي لتوجيه ضربة عسكرية لإيران قبل خروج دونالد ترمب من البيت الأبيض وتسلم جو بايدن في العشرين من يناير/كانون الثاني المقبل.

غير أن السؤال الذي تحاول التقديرات والتحليلات السياسية الوقوف عنده يتعلق بشكل الرد الإيراني المتوقع على أي ضربة عسكرية أمريكية إسرائيلية محتملة؟

ثمة من يتوقع أن توجه إدارة ترمب ضربة لإيران عبر استهداف مصالحها في المنطقة، في حين يستبعد آخرون مثل هذه التقديرات ويرون أن إيران ستتبنى سياسة هادئة تجاه أية حوادث؛ بهدف الاستفادة سياسياً من وصول "بايدن" إلى البيت الأبيض واحتمالية أن يتبنى سياسة خارجية هادئة تجاه طهران.

مؤشرات

المختص في الشأن الإسرائيلي مأمون أبو عامر يقول، إن مجموعة مؤشرات توحي بأن أمريكا تستعد لتوجيه ضربة لإيران.

ويرى أن أهم المؤشرات هي، إقالة عدد من المسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، والاستعداد لسحب القوات الأمريكية من أفغانستان والعراق، خشية تعرض القوات القتالية لرد إيراني لو ذهبت أمريكا لتنفيذ عملية ضدها.

والمؤشر الثالث، وفق أبو عامر، هو نشر طائرات القاذفات الاستراتيجية "بي 52" وطائرات الشبح "35F،  "F2، أما المؤشر الرابع فهو جولة وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ولقاءه القادة الخليجيين ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو.

وفي ضوء هذه المؤشرات ربما تكون إيران أمام ضربة عسكرية أمريكية وفقاً لـ "أبو عامر"، مشددًا على أن طبيعة الرد الإيراني ستكون مرتبطة بطبيعة الهجوم الأمريكي.

سيناريوهات الضربة المحتملة

غير أن توجيه ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية ضد إيران سيضع المشهد أمام سيناريوهين، من وجهة نظر المختص "أبو عامر" في حوار أجراه مع "وكالة سند للأنباء".

الأول أن تعمل أمريكا على ضرب المفاعل النووي الذي كشفت عنه وكالة الطاقة الذرية مؤخرًا في لاتانس؛ بحجة أن هذه المفاعلات خطر على أمن المنطقة. 

والسيناريو الثاني هو تعرض السفارة الأمريكية في بغداد للقصف كما حدث قبل أسبوعين، وبالتالي يكون ذلك حجة ومسوغ لواشنطن من أجل الهجوم على إيران.

ويشير إلى أن الرد الإيراني سيرتبط بعاملين: الأول طبيعة الضربة الأمريكية، والثاني مدايات هذه الضربة هل هي محدودة أم استراتيجية؟

ووفقاً لرأيه فإن إيران لن ترد على أي استهداف محدود لمصالحها؛ لتفويت الفرصة على دونالد ترامب، بيد أن الاستهداف إن كان ذو أبعاد استراتيجية فإن طهران سترد، وهذا يمكن أن يوسع من دائرة العمليات القتالية.

وفي هذا الإطار يشدد "أبو عامر" على أن توجيه ضربة استباقية استراتيجية ضد إيران أمر مستبعد.

شكل الضربة

ورغم أهمية التحليل السابق الذي يأخذ شكل الحرب التقليدية إلا هناك اتجاهات أخرى ترى أن الضربة الإيرانية ستكون عبر الحروب السيبرانية وليست العسكرية.

ومن أنصار هذا التوجه مدير مركز دراسات الخليج في جامعة قطر محجوب الزويري، ويميل إلى أن أمريكا ستختار الحرب السيبرانية من خلال منح إسرائيل الضوء الأخضر لتنفيذ هذه المهمات.

ويشير "الزويري" إلى أن الإدارة الأمريكية تفضل هذا النوع من العلميات؛ لأن فوائدها الاستراتيجية المرجوة أكبر، وهو ما فعلته أمريكا حينما استهدفت شبكات تدير برامج المفاعل النووي الإيراني، وأدى وقتها لتحييد 8000 جهاز طرد مركزي داخل المفاعل في عام 2010.

ويشدد في لقاء مع "وكالة سند للأنباء" على أن ذهاب واشنطن لتنفيذ عملية عسكرية فرصه ضعيفة، خاصة بعد الإنجاز الكبير الذي حققته الإدارة الأمريكية الحالية في ملف التطبيع، وبالتالي إدارة "ترمب" تعمل في الدقيقة 90 على محاولة إتمامه والتظاهر بأنها حققت إنجازًا دبلوماسياً كبيرًا.

عوامل تتحكم بالقرار

المختص في الشأن الإسرائيلي نظير مجلي يدعم رؤية "الزويري" الاستشرافية، ويشير إلى أن أي قرار ضد إيران يصنع عبر المؤسسات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية.

وينبه إلى أنه لا يوجد قرار عسكري إسرائيلي وأمريكي بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران، وإن أي حديث عن ضربات عسكرية ما هي إلا تقديرات أكثر من كونها معلومات ترتكز على أسس دقيقة.

ويشدد "مجلي" على وجود رغبة إسرائيلية وأمريكية لاستغلال الأسابيع الأخيرة من حكم الرئيس منتهي الولاية دونالد ترمب، لتوجيه ضربة ما لإيران، لكنه يعتقد أن هذه الضربة لا حاجة لها.

ويرجع السبب إلى عاملين: العامل الأول أن المؤسسات العسكرية والأمنية في إسرائيل وأمريكا لا يوجد عندها قرار، والعامل الثاني أن الرأي العام لدى هذه الدول غير متقبلة لهذا النوع من الحروب، وفقاً لحديثه مع "وكالة سند للأنباء".

ويرى أن الضربات التي وجهتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لإيران هي ضربات قاسية أدت وظيفتها وأكثر عبر ممارسة مزيد من الضغوطات الاقتصادية على إيران.

وفي هذا الصدد يعتقد أن أي تفكير إسرائيلي وأمريكي باتجاه الذهاب نحو عمل درامي لفرض واقع جديد على إدارة جو بايدن المنتخبة هي محاولات بائسة ولن تجد لها أصداء أو تأييد.

جغرافية الرد

يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي صالح النعامي أن سياقات الأحداث وتطورها يشير إلى أنه من مصلحة إدارة "ترمب" وضع عراقيل للرئيس الأمريكي المقبل جو بايدن عبر خلط الأوراق وتوجيه ضربة عسكرية لطهران.

"النعامي" يرى أن "ترمب" يسعى لوضع العراقيل أمام "بايدن" على اعتبار أن الأخير سيعمل على العودة لإحياء الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه "ترمب" في 2018.

ومع هذا يعتقد الخبير في لقاء أجرته "وكالة سند للأنباء"، أن توجيه ضربة عسكرية لإيران أمر فيه درجة من المغامرة والخطورة بسبب؛ أن المواجهة ستقود حتمًا إلى مواجهة مع حزب الله اللبناني.

ويشدد على أن إسرائيل تحسب لتداعيات المواجهة مع حزب الله، لاسيما وأن الحزب بات يمتلك عشرات آلاف الصواريخ التي تمتاز بدقة عالية وقدرة على ضرب منشآت حيوية إسرائيلية.

وينوه إلى أن رد إيران على أي ضربة عسكرية أمريكية وإسرائيلية عبر حزب الله اللبناني أمر وارد، وهناك تخوفات إسرائيلية منه.

حسابات اللاعبين

ولا يتفق كثيراً مدير مركز دراسات الخليج في جامعة قطر مع هذا الطرح الذي يرى أن طهران من الوارد أن تلجأ للرد على إسرائيل وأمريكا من خلال حلفائها في المنطقة خاصة المتواجدين في الجغرافيات القريبة من إسرائيل مثل لبنان وغزة.

ويعتقد أنه من الضروري الأخذ بعين الاعتبار حسابات اللاعبين المتحكمين في هذه الجغرافيات مثل حزب الله في لبنان، وحماس في غزة؛ لأن البعد المحلي عامل حاسم، ومن هنا يستبعد أن ترد هذه الجبهات على أي عمل استجابة لإيران.

والأهم من هذا هو فهم تأثيرات اتفاقيات التطبيع على الجغرافية السياسية لكل من إيران وإسرائيل، وفي هذا السياق يشدد "الزويري" على أن التطبيع مع دول الخليج منح حضورًا إسرائيلياً قرب الحدود الإيرانية.

ويشير إلى أن إسرائيل وكأنها ترد الصاع صاعين من خلال القول: "أنتم تأتوننا عبر تنظيمات مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي ونحن نأتيكم عبر الوجود في دبي وأذربيجان".

ويشير إلى أن كل طرف إقليمي يريد محاصرة الطرف الآخر، عبر الاقتراب الجغرافي من الخصم قدر المستطاع، لافتًا إلى أن إيران تشعر أن اقتراب إسرائيل من حدودها خطر على أمنها القومي.

"أبو عامر" من ناحيته يقول إن غزة ليست طرفاً في الصراعات الاستراتيجية الكبرى وقد تذهب إسرائيل إلى التسريع في تبريد جبهة غزة لضمان عدم حدوث مشاغلات من طرفها.

ويؤكد أن قيادة غزة تدرك محدودية تأثير غزة في مثل هذه المعارك الكبرى من الناحية العسكرية، ومن هنا من المستبعد أن تبادر غزة للمشاركة في الصراع الإقليمي.

يشير إلى أن إطلاق صواريخ من غزة صوب الحدود من قبل مجموعات عسكرية فهذا الأمر لن يؤدي إلى تغيير في المشهد العملياتي في حال وقوع حرب كبرى.

يؤيده في هذا التحليل "مجلي" الذي يرى أنه ورغم تقدم العلاقات السياسية بين إيران وحركة حماس فإنه ليس من الحكمة أن تدخل غزة حرب شاملة مع إسرائيل خصوصاً أن إسرائيل تعلن أنها جاهزة لخوض حرب شاملة.

ويرى أن تداعيات أخذ قرار بالانضمام لهذه المعارك لو حدثت سيكون أمرًا مكلفاً.  

محددات الرد وضوابطه

هناك عامل آخر ولعله الأكثر أهمية في سياق فهم طبيعة الرد الإيراني، وهو أن إيران ستحاول أن يكون ردها مناسبًا مع تداعيات المتغير القيادي في الولايات المتحدة الأمريكية وفوز جو بايدن من أجل الاستفادة منه سياسًا واقتصاديًا.

وتحليلاً لهذا المتغير يتوقع "مجلي" ألا تقوم إيران بالرد على التصرفات الإسرائيلية والأمريكية ضدها وإنما ستلعب اللعبة بقيود وحدود محسوبة ستراعي فيها مدايات الرد وشكله؛ لأجل الاستفادة من المكاسب السياسية المتوقعة في ضوء توجهات "بايدن" الساعية لإعادة النبض لاتفاق 5+1.

ويشدد لـ "وكالة سند للأنباء" على أن السياسة الهادئة لإيران مفيدة لها ولا يجب وضعها في سياق الجبن السياسي؛ لأن إيران تراعي العامل الدولي الأوروبي المساند لها والرافض لأي حرب ضد إيران.

يقول "مجلي" إن الدول الأوروبية تريد دفع إيران مرة أخرى لتوقيع اتفاق جديد يتيح لها التحرر من العقوبات الأمريكية والغربية والحصار المفروض عليها، وفي نفس الوقت تفادي أي حرب مدمرة.

google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk