صورة قلمية.. شهداء "بيتا" الأكثر حضوراً في العيد

حجم الخط
علم فلسطين
أحمد البيتاوي- وكالة سند للأنباء

قبل العيد بيوم أو اثنين، يجتهد أهالي الشهداء في بلدة "بيتا" جنوب نابلس كما في غيرها من المناطق الفلسطينية، بتنظيف محيط قبور من رحلوا، يزرعون وروداً وأشتالاً جديدة ويسقون القديم منها، ويزيلون ما حولها من أشواك.

قبور الشهداء في "بيتا" التي يُعرف عنها منذ زمني الانتداب البريطاني والاحتلال الإسرائيلي بالبلدة "صعبة المراس"، بعضها قديم منذ الأربعينات، وبعضها جديد، فُتِحَ قبل أيام عدة.

في خطبة صلاة العيد في مساجد البلدة الستة، الشهداء حاضرون أيضاً، دعوات لهم بالرحمة وعدم التفريط بما ماتوا عليه، ودعوات أخرى بزيارة ذويهم والشد من أزر والديهم وأشقائهم وأبنائهم.

بعد صلاة العيد تتحول قبور الشهداء لمزارات، يلتف حولها الأهل والأصحاب، يستقبلون أفواج الزائرين، يكتمون الدمعة حتى تغلبهم، فتسيل على الوجنات بصمتٍ، وبين لحظة وأخرى تسمع شهقةَ باكٍ، أو حجرشةً في صدر أحدهم.

في "بيتا" يفرح الناس بالعيد على خجل، يخطفون شيئاً من البهجة على استحياء، وكأنهم فعلوا شائنة أو ارتكبوا جريمة، يبتسمون قليلاً، فتبدو ابتسامة متصنعة، فالحزن موزّع على مئات منازل البلدة، بين جريح أو أسير أو شهيد.

معرض بحجم بلدة..

في العيد، تتحول شوارع البلدة لما يشبه معرض، صور الشهداء في كل مكان، على كل حائط وسور وفي كل مفترق ودوار، صور صغيرة وأخرى كبيرة تُرى من بعيد، جداريات مرسومة بريشة فنان وعبارات كتبها خطاط، كلها تُمجِّد الشهداء وتعلو من شأنهم.

في حارات البلدة وأزقتها، أطفالٌ وصبية يحملون أسلحة بلاستيكية، يلهونَ بها، يعرفون أسماءها، ويقدرون على التفرقة بسهولة بين "إم 16" و"الكلاشنكوف".

ينقسمون لفريقين، يأخذون سواترَ حمايةٍ، يهجمون حيناً ويتراجعون أحياناً أخرى، في محاكة غير إرادية للمواجهات التي تشهدها البلدة مع جنود الاحتلال، يُكبِّرون بصوتٍ عالٍ، ولا يبالون للوقعات والكدمات.

الحزن المكتوم

في منازل الشهداء، تلمسُ حزناً ولا تجد يأساً، تلمسُ وجعاً ولا تجد استسلاماً، تلمسُ ألماً ولا تجد انكساراً، تلمسُ وجعاً ولا تجد ضجراً، تلمس جَلداً وصبراً وتحملاً، فتتيقنُ أن الرحمن ألقى على قلوب ذويهم سكينةً من عنده.

في منازل الشهداء، طفلٌ يحمل لعبة، يردد أن أباه رحل إلى الجنة، أبُ يحمل مسبحة، يُعدد مناقب ابنه، عجوزٌ يتكئ على عصاه، يتذكرُّ حفيده، كلهم يكتمون الحزن كَسِرٍ دفين، يخشون البوح به، غير أن احمرار أعينهم يفضحُ ما أخفت قلبوهم.

يتحدثون عن آخر اللحظات قبل فراق الشهداء، هنا قضوا ليلتهم الأخيرة، وفي هذه الغرفة تناولوا آخر الوجبات، يحكون بحرقة صفات من فقدوا، طموحاتهم، آمالهم، وكيف أنهى رصاص الاحتلال كل الحكاية، ووضع نقطة في سيرة إنسان.

في "بيتا" شهداء من كل الطبقات، أغنياءٌ وعلى باب الله ومن الطبقة المتوسطة، متعلمون ومثقفون، حملة شهادات عليا، عمالٌ وحرفيون، فتية ورجال، متزوجون وآخرون كانوا يبحثون عن "بنت الحلال"، من "الحارة الفوقا" ومن "الحارة التحتا" ومن "بير قوزا" كما يُقسم الأهالي بلدتهم.

تتعدد راياتهم وتختلف ألونها، تتنوع مشاربهم الفكرية ومرجعيتهم الحزبية، ربما يختلفون في السياسة، غير أنهم يتفقون على هدف واحد، أن تظل "بيتا" خالية من المستوطنات، كانت كذلك قديماً وستبقى.

ولمن لا يعرف خلفية المشهد، يخوض أهالي "بيتا"، منذ أكثر من عامين، مواجهات شبه يومية مع قوات الاحتلال والمستوطنين، الذين يحاولون الاستيلاء على أحد جبال البلدة، لزرع بؤرة استيطانية جديدة.

وخلال هذه المواجهات قدمت البلدة مئات الجرحى و8 شهداء، كان آخرهم فواز حمايل، الذي استشهد قبل أسبوعين متأثراً بجراح أصيب بها برصاص جنود الاحتلال.