بالفيديو في مساءٍ حزين.. فتية المخيم زاروا قبرًا ودُفنوا بجانبه شهداء

حجم الخط
شهداء مجزرة الفالوجا
أحلام عبد الله - وكالة سند للأنباء

لم يدر في خلد أطفال عائلة "نجم" الأربعة وصديقهم اليتيم "نظمي" أن زيارة قبور أحبتهم ستكون آخر عهدهم في هذه الحياة، وأنهم سيدفنون بجانبهم في اليوم التالي ليكونوا رفقاءهم في عمق الأرض.

تشابهت نهايتهم كما أحلامهم، جمعهم الموت النازل من سماء عدوان إسرائيلي ظالم لم يأبه لأجسادهم الغضة، ليضع حدًا لكل حلم وأمنية في مخيلة كل واحد منهم.

حكاياتهم متعددة بتعدد شهداء الوطن، ولكلٍ منهم حكاية تدمي الفؤاد، بنكهة حزن مختلفة، تستدعي الانحناء لأناس ألِفوا الموت وغنوا له في يوميات الموت بغزة.

أربعة أطفال من عائلة "نجم" خامسهم (يتيمُ أمه) نظمي أبو كرش، جمعهم حب اللعب يومياً في شارعٍ تقابله مقبرة ألفوا أمواتها ورائحة ترابها، فهي تجمع رفات جدهم الذين اعتادوا على زيارته عقب انحناء شمس كل يوم.

على ضفة القبر

عن تفاصيل ما جرى، يحدثنا جار الشهداء محمد حمادة: "في اليوم الأخير للعدوان على قطاع غزة تشاكس محمد صلاح نجم (17 عاما) مع صاحبه وجاره عبد الرحمن حمادة، وبعدها ذهب لبيته وطلب منه السماح ولم يتزحزح حتى سمع كلمة مسامحك من عبد الرحمن".

مواقف الشهداء لا يفصحون عن سرها، ليسترجعها أحبتهم بعد ساعة الموت، ليدركوا أن القدر مكتوب لهم بترتيب وتنظيم إلهي عجيب، تماما كما كانت آخر مواقف الشهيد "محمد" في آخر عهده بالدنيا.

وعن ذلك يقول الجار لـ"وكالة سند للأنباء": "طلب محمد من والدته أن تصنع له كعكة وزعها على أصحابه في الحي، وصلى بعدها صلاة العصر وسلّم على جميع المصلين ممن حولهم، وكأنه يودعهم".

أما "حيدر نجم" والد الشهيد حامد، يُشير والدموع تغالبه إلى أن "حامد كان يزور قبر عمه باستمرار في المقبرة، برفقة أبناء عمه، ويسقون قبر جدهم ويدعون له".

ويتابع: "قال لي حامد قبل أسبوع من العدوان نفسي استشهد مع محمد ابن عمي، فكان القدر أسرع لتلبية طلبه ليستشهدوا مع بعض".

ويُكمل الوالد المكلوم: "في ذلك اليوم ألح عليّ، حامد الطلب بالخروج من كونه شعر بالملل، وبعد طلبه المستمر قلت له إذهب أنت ومحمد للعب بعيدا، وكأنني أرسلتهم للموت".

جمع بعدها "حامد" كعادته ابني العم "جميل" ( 13عاما)، و"محمد" (16 عاما) للعب أمام منزلهم، ليلتحق بهم "جميل" (6 أعوام) وجارهم "نظمي" (14 عاما).

بعد ساعة من لعب كرة القدم واللهو والضحكات والمشاكسات الطفولية أمام المنزل، مسح الأطفال عرق اللعب، وضعوا الكرة جانبا، واتجهوا كعادتهم لزيارة قبر جدهم، وقبر والدة "نظمي" اللذين يبعدان أمتارا قليلة عن بعضهما داخل المقبرة.

لا أحد يعلم ماذا كان آخر كلماتهم، وبماذا أخبروا أحبتهم بالقبور، ترى هل تمنى "نظمي" اللحاق بأمه لشدة اشتياقه لها؟ وهل أخبر أطفال عائلة "نجم" جدهم بشوقهم.. هل تمكنوا من تلاوى الفاتحة على قبورهم أم كانت حمم الصواريخ أسرع إليهم من كل شي؟!

فمع التفاف الأطفال الصغار حول القبرين، تـهاوى عليهم الموت مع صواريخ الاحتلال لتتمزق أجسادهم الغضة، وتغتال أحلامهم البريئة وفق "حمادة".

أشلاؤهم فوق القبور!

المواطن محمد أبو رضوان كان أحد الذين وصلوا سريعا للمكان يقول لـ "وكالة سند للأنباء": "بعد صلاة العصر سمعنا صوت قصف قريب فهرعنا للمكان لنتفاجأ أن الهدف الذي قصفته طائرات الاحتلال هذه المرة هو أطفال في المقبرة المجاورة".

خمسة أطفال ملقون على الأرض، تبعثرت أشلاؤهم حول القبور وفوقها، حالة الصدمة منعته من التعقيب على ما شاهد، فدماء الأطفال غطت ملابسه، معلقًا: "هذه الجريمة لا تحتمل الحديث، لست قادرا على التعبير عما رأيت، ما ذنب هؤلاء الأطفال؟!".

علّق الأطفال زيارتهم لقبر جدهم مؤقتا، ليعودوا في اليوم الثاني ليقيموا في جواره، وليس كزيارة عابرة!

استشهد أطفال عائلة "نجم" الأربعة، حوتهم قبور متجاورة، لتشكل أسماؤهم الأولى اسم قبر جدهم الرباعي "جميل حامد محمد نجم"، ولحق "نظمي" بوالدته التي لم يفارق قبرها يوما.

لم يكن هؤلاء الأطفال رقما في لائحة تحت التحديث، ليُضاف إليها كل يوم اسم جديد، بل احترقت الأرض لأجلهم ترسم يومياتهم ملونة بالألم، بين لهب نازل من السماء وصبر وصمود راسخ في الأرض.

وبحسب بيانات رسمية فلسطينية، فإن حصيلة الشهداء من الأطفال منذ اندلاع انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية) عام 2000 حتى العام الحالي، بلغت 2230 شهيدا، ألف منهم في الحروب الإسرائيلية الخمسة على القطاع.

واستشهد 315 طفلا خلال الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة أواخر عام 2008 ومطلع 2009.

وفي العدوان الذي شنته إسرائيل عام 2012، استشهد 43 طفلا، وفي عام 2014 التي استمرت لأكثر من 50 يوما، استشهد 546 طفلا.

واستشهد 72 طفلا في العدوان الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة مايو/أيار 2021، واستمر 11 يوما.

وتشير أحدث إحصاءات وزارة الصحة، إلى أن 3 أيام من العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع خلّفت 48 شهيدا، بينهم 17 طفلا، و4 نساء، فضلا عن دمار مئات الوحدات السكنية.