تحليل عملية الجلمة.. دلالات مشاركة عناصر الأجهزة الأمنية في عمليات ضد الاحتلال

حجم الخط
مواجهات
يوسف فقيه - وكالة سند للأنباء

تُثير مشاركة أبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية في عمليات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي صعّد من انتهاكاته بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية، العديد من التساؤلات إزاء دلالات وتأثير هذه المشاركة على المشهد السياسي والميداني العام.

كان آخر هذه العمليات، الاشتباك المسلح الذي وقع بين جنود الاحتلال وفلسطينيين، فجر اليوم الأربعاء، قرب حاجز الجلمة شمال شرق جنين، وأسفر عن مقتل ضابط بجيش الاحتلال، واستشهاد الشابين أحمد وعبد الرحمن عابد من بلدة كفر دان.

وظهر الشهيد أحمد عابد، باللباس العسكري في إحدى الصور المنشورة له، ما يؤكد أنه أحد عناصر جهاز الاستخبارات الفلسطيني بالضفة.

واعتبرت إسرائيل مشاركة أحد أفراد الأمن الفلسطيني بعملية فدائية ضد جنودها بالضفة، تطورًا يُثير القلق، كما يُعد "تجاوزًا للخطوط الحمراء"، في ظل الحديث عن عملية مخطط لها جيدًا.

في حين يرى مختصون أن نجاح هذه العملية، وما تبعها من إشادة فلسطينية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، قد تُشكل دافعًا قويًا لآخرين من منتسبي الأجهزة الأمنية وحاملي السلاح، للقيام بأعمال مشابهة.

تعبير عن حالة التخبط..

يقول عضو المجلس الثوري لحركة "فتح" جمال حويل، إن ردة الفعل الإسرائيلية على  عملية الجلمة وحديثه عن خطورتها، هو تعبير عن حالة التخبط التي تعيشها إسرائيل؛ فهي تعتقد واهمةً أن العنف والإرهاب ضد الفلسطينيين هو من سيُركعهم، ويدفعهم لرفع الراية البيضاء ويحولها إلى وكيل لهم.

ويوضح "حويل" لـ "وكالة سند للأنباء" أن المقاومة بجميع أشكالها تعبير عن حالة الرفض للاستسلام ورفع الراية البيضاء، مشيرًا إلى أن "تهديدات الاحتلال ليست جديدة، ولن تؤثر على معنويات الشعب الفلسطيني".

وبحسب "حويل" فإن قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية نفد صبرهم على الاحتلال بعدم إعطائهم أي فرصة لإقناع الفلسطينيين بالمشروع السياسي، حيث لم يعد هناك أي آفاق سياسية أو اقتصادية، أو حتى صلاحيات للعمل والحركة لتطبيق مشروعهم.

ويزيد: "أبناء الأجهزة الأمنية يعانون كغيرهم من الاحتلال وانتهاكاته المتصاعدة في الضفة، وما حدث صباحًا هو تعبير واضح أن صبر الجميع قد نفذ"، متوقعًا المزيد من الأعمال البطولية من قبل أفراد الأمن الفلسطيني.

ويُبيّن "حويل" أن هذه المشاركة تحمل مؤشرًا خطيرًا للاحتلال؛ لأنه أمام فدائي مدرب على السلاح والاستراتيجيات العسكرية.

ويختم بالقول: "إن هذه الأعمال، هي عبارة عن رسالة بأن الوحدة الوطنية والمقاومة الشاملة، طريق النصر والحرية، وأي طرق أخرى من التسوية لن تُنجز لنا أي شيء، وخير مفسر للبرنامج السياسي الفلسطيني هي رصاصات المقاومين في جنين هذا الفجر".

أعمال متوقعة..

من جانبه يقول المختص بالشأن الإسرائيلي عادل شديد، إن "مشاركة أحد منتسبي الأمن في عملية فدائية، كان متوقعاً في ظل انهيار العملية السياسية، وتراجع دور السلطة الفلسطينية إزاء انتهاكات الاحتلال المتواصلة (..) هذا يضع كل أفراد الأمن في موقف حرج".

ويُردف "شديد" لـ "وكالة سند للأنباء" أن تداعيات العملية لدى إسرائيل، تُعطي أهمية كبيرة لها طالما أن الحديث عن مسلحين مدربين لديهم القدرة على استخدام السلاح بشكل جيد، مسهبًا: "التفاصيل التي نشرها الاحتلال من انطلاق المنفذين، وانتظارهم ساعتين لبدء تنفيذ الهجوم، ثم مباغتة الجنود، تؤكد أنها عملية مخطط لها بشكلٍ مدروس".

وتخشى إسرائيل من تكرار هذه العمليات وتقليدها –تبعًا لشديد- خاصة في ظل الإشادة الفلسطينية الواسعة بها، والتحشيد الكبير للقيام بالمزيد من المواقف البطولية ردًا على انتهاكات الاحتلال وتغوله ضد كل ما هو فلسطيني.

ويُتابع: "الاحتلال يحاول أن يجعل دور أبناء الأجهزة الأمنية الفلسطينية في قالب الاختفاء والدفاع عن النفس فقط دون تدخل مباشر بأي عملية ضد جنوده، لكنّ الرد جاء بشكلٍ غير متوقع، وبنتائج قاسية كما يصفونها".

ووفقًا لـ "شديد" وفي ظل المعطيات الميدانية فإن إسرائيل بدأت استعياب بأن سياساتها قائمة على فرضية خاطئة، وأن عناصر الأمن الفلسطيني، لن يقبلون بدور الخدم والحرس للمشروع الإسرائيلي من الآن فصاعدًا.

معركة شاملة..

إلى ذلك يقول الخبير العسكري واصف عريقات، إن اسرائيل تخوض معركة شاملة تستهدف الشعب الفلسطيني بكافة الفئات، وبالتالي فمن حقه الدفاع عن نفسه سواءً كان مواطنًا عاديًا أو فردًا من الأجهزة الأمنية.

ويوضح "عريقات" لـ "وكالة سند للأنباء" أن عملية الجلمة تندرج ضمن العمليات الفردية، كون من قام بها ونفذها عنصر أمني، وبطابع وقرار فردي، مشيرًا إلى أن العمل العسكري المنظم بحاجة إلى قرار ومشاركة أعداد كبيرة؛ كي يسمى "عمل منظم".

وينوه إلى أن "إسرائيل تُدرك تمامًا أن من أساسات ثقافة الشعب الفلسطيني، هي مقاومة الاحتلال وجرائمه اليومية وهذا ما يجيب على السؤال بشأن فرص مشاركة واسعة لعناصر الأمن الفلسطيني في أي عمليات قادمة".

بدوره، يعتبر المحلل العسكري العميد المتقاعد يوسف شرقاوي، هذا النوع من العمليات بمثابة "حالة من التحدى" لكنه يتفق مع "عريقات" في أنها تأتي ضمن "العمل الفردي غير المنظم" الذي يتحاج إلى عوامل كثيرة غائبة عن واقع الضفة.

ويُبيّن "شرقاوي" لـ "وكالة سند للأنباء" أن دخول شريحة جديدة على العمل المقاوم بالضفة كأفراد الأمن المدربين على حمل السلاح سيكون له أثرًا كبيرًا في الواقعين الفلسطيني والإسرائيلي على حدٍ سواء.

ويؤكد أن هذا النمط من عمليات المقاومة جاءت كردة فعل فردية على الاستهتار الإسرائيلي بالفلسطيني، لافتًا إلى أن ممارسات القتل اليومية تجلب ردات فعل غاضبة، وسط توقعات بتكرارها ورفع وتيرتها وعدم القدرة على مواجهتها.

ويختم: "هذا النمط من العمليات قد يتطور، ويكون بديلاً عن العمل العسكري المنظم الذي يغيب عن ساحات الضفة، بسبب إجراءات الاحتلال المستمرة ومضايقاته، والحاضنة الرسمية الضعيفة للمقاومة المنظمة".