بالفيديو والصور كنز أثري نادر.. أرضيّات فسيفساء بغزة تحكي عن الحياة البيزنطية

حجم الخط
أرضيّات فسيفساء بغزة تؤرّخ للعصر البيزنطي
مجد محمد - وكالة سند للأنباء

هنا حيث غزة، واحدة من أقدم المدن في العالم، تحتفظ أرضها بآثارٍ فريدة، وكنوزٍ تراثية، منها ما هو ظاهر للعيان، وأخرى يكتشفها الغزّيون عن طريق الصدفة؛ لتُخبرنا أسرارها عن عمق الحضارة في هذه المدينة، وزَخم التاريخ وأصالته، من العصر البرونزي إلى العصرين الإسلامي والعثماني.

آخر هذه العناصر الجمالية المكتشفة "موقع أثري" داخل أرض زراعية شرق مخيم البريج وسط قطاع غزة، يضمّ أرضيات فسيفسائية ومقتنيات زجاجية وفخارية، قالت وزارة السياحة والآثار إنها تعود للعهد البيزنطي.

بداية الاكتشاف..

قبل 6 أشهر، زرع المزارع الفلسطيني سليمان النباهين أشجار زيتون جديدة في أرضه الواقعة على مساحة 450 مترًا بمخيم البريج وسط القطاع، لكنه لاحظ بعد أشهر بعدم ثبات جذور هذه الأشجار في التربة، فأخذ يبحث عن السبب.

يقول "النباهين" لـ "وكالة سند للأنباء": "بحثًا عن الأسباب، بدأت منذ نحو 3 أشهر بأعمال حفرٍ بالأرض بمساعدة ابني، وخلال عملنا اصطدمت أدواتنا الزراعية بجسمٍ صلب غير مألوف؛ ما دفعنا لتوسيع رقعة البحث والتنقيب لتضمّ 3 حفريات بمساحات مختلفة".

وتبلغ طول الحفرة الأولى 8 أمتار بعرض 4.5 أمتار، وأما الحفرة الثانية فيبلغ طولها نحو مترين ونصف وعرضها مترين فقط، فيما يصل طول الحفرة الثالثة إلى 4 أمتار بطول مترين.

ويُشير إلى أن نتائج البحث أكدت لهم أن الأرضيات المكتشفة، هي آثار وفسيفساء مزخرفة تعود للعصر البيزنطي، وعلى الفور أبلغ "النباهين" وزارة السياحة والآثار بوجود هذا الاكتشاف، كونها "إرثًا عريقًا يجب المحافظة عليه من الجهات المختصة" وفق قوله.

وتتلون هذه الفسيفساء بألوان، منها "الأبيض والأسود والقرميدي، والأخضر"، ويشمل الاكتشاف 17 صورة لوحوش وطيور، بالإضافة لقطع فخارية وزجاجية وأُخرى مصنوعة من الطين، وبقايا قاعدة عامود من الجرانيت.

ويُبدي "النباهين" سعادته بهذا الاكتشاف، مؤكدًا أنه يعتني به بشكلٍ يومي ويمنع العبث بـ "أثار الحضارات القديمة" إلى حين اتخاذ الإجراءات اللازمة من جهات الاختصاص في قطاع غزة.

307287000_3354247981511113_5033044231920708757_n.jpg

306335937_560085232588060_6831226053444750599_n.jpg
 

"هيبة ووقار" للحضارة الفلسطينية

من ناحيته، يوضح مدير عام الآثار بوزارة السياحة جمال أبو ريدة، أن الرسوم والنقوش الهندسية التي تحملها اللوحات الفسيفسائية الأرضية المُكتشفة، تُجسد "طبيعة الحياة الاجتماعية في العصر البيزنطي".

ويُردف "أبو ريدة" لـ "وكالة سند للأنباء" أن الطواقم الفنية عملت على تحديد امتدادات الموقع وأبعاده بحفر 10 مجسات علمية، تبرز من خلالها معرفة تفاصيل المكان وآلية سير العمل، والمدلولات الحضارية، والتي تعد مقدمة وبداية للتنقيب الأثري الشامل للموقع المكتشف.

307721381_619139486361237_227193419993002393_n.jpg
 

ويلفت إلى أن طواقم وزارة السياحة تعمل حاليًا في الموقع المُكتَشف، بالشراكة مع خبراء وعلماء دوليين من المدرسة الفرنسية للآثار.

ويذكر "أبو ريدة" أن هذا الاكتشاف أعطى الوزارة، معلومات وتفاصيل تاريخية عن الحضارات القديمة والأنثروبولوجيا (علم الإنسان) في قطاع غزة، والعلاقات التاريخية والاقتصادية بمحطيها الإقليمي القديم.

وبحسب "أبو ريدة" فإن "هذا الاكتشاف سيُضفي هيبة ووقار ويؤرخ للحضارة الفلسطينية"، مشيرًا إلى أن وزارته طلبت من بعض المانحين "موازنة مالية" من أجل تمويل المشروع للحفاظ على المكان من خطر الاندثار.

306359006_430872329143458_8549065257813800930_n.jpg

306678317_484022366965649_1659179242601117493_n.jpg
 

إلى ذلك يتحدث أستاذ التاريخ والآثار في الجامعة الإسلامية أيمن حسونة، عن أن قطاع غزة كان مكانًا وموطنًا لعدد من الكنائس على مرّ الزمان، والتي كان يُقيم بها عدد من الرهبان، معتقدًا بأن تكون هذه الأرضيات جزءًا من كنيسة.

ويُبيّن "حسونة" لـ "وكالة سند للأنباء" أن الكنائس ازدهرت في القرن الخامس الميلادي، وهي الفترة التي شهدت النهضة المعمارية للدولة البيزنطية، منوهاً إلى أن هذه النهضة المعمارية كانت وليدة مدرسة معمارية فنية اشتهرت في صناعة الفسيفساء.

ويزيد: "جميع العناصر المكتشفة بالموقع الأثري، هي لحيوانات وطيور أليفة، وهذا يُدلل على السلام الذي كان يُنادي به الدين المسيحي، وكان الفنان يحاول إيصال رسالة عبر الرسومات أنه كما الحيوانات تعيش بسلام في الطبيعة، فلا بد على الإنسان أن يعيش بسلام على هذه الأرض".

ويشير إلى أن المسيحيين واجهوا في بداية نشأتهم الاضطهاد من قبل الوثنيين الرومان، حيث كانوا يتعرضون لشتى أنواع العذاب، ومن هنا كانت رسوماتهم تدل على السلام.

ويدعو أستاذ التاريخ والآثار، بأن يكون هناك تنقيبات شاملة في المنطقة، من أجل الكشف عن كل الآثار المعمارية فيها، ومن ثم تطويرها وتأهيلها لأن تصبح منطقة للزيارة، والتي ستكون عاملًا مهمًا لجذب للسيّاح.

306378438_637838441296748_2397750444052662547_n.jpg
 

ومن أبرز التعليقات على هذا الاكتشاف، ما صرّح به الخبير الأثري رينيه إلتر، من مدينة القدس، حيث وصفه بأنّه "استثنائي"، مستطردًا: "هذه أجمل فسيفساء اكتشفت بغزة، من حيث جودة الرسم والهندسة (..)  ولم تكتشف أرضيات فسيفساء بهذه المهارة ولا هذه الدقة في الرسم وثراء الألوان من قبل في القطاع ".

وأرجع "إلتر" عمر الفسيفساء المكتشفة إلى ما بين القرنين الخامس والسابع، مشددًا على ضرورة إجراء حفريات مناسبة لتحديد عمرها بدقّة، وما إذا كانت جزءاً من مجمع ديني أو علماني.