لا تبدو الحكاية الفلسطينية مجرّد فصلٍ من الماضي، بل واقعاً يتكرّر بوجوه أكثر قسوة ووحشية، ففي قطاع غزة، يستيقظ الأهالي يومياً على مشهدٍ يبدو وكأنه امتدادٌ مفتوح لذاكرة لم تُغلق أبوابها ومعركة يخوضون غمارها منذ عقود.
وقد أجبرت حرب الإبادة المستمرة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة على النزوح حتى اللحظة، فيما تتقاطع صور الحاضر مع روايات النكبة الأولى؛ خيامٌ تزدحم بالهاربين قسراً من الموت، عائلات تحمل ما تبقى من حياتها على الطرقات، وأطفال يكبرون وسط الفقد والاقتلاع.
وبينما كان الجيل الجديد يسمع عن النكبة كحدثٍ من الماضي، وجد نفسه يعيشها اليوم بصورة أكثر قسوة واتساعاً، ويكبر السؤال الفلسطيني ذاته: كم مرة يمكن لشعبٍ أن يُقتلع من أرضه ويبقى حيّاً في الذاكرة والوجود؟
ذكريات نكبة الـ48
يستعيد السيد عياد الحميدي (79 عاماً)، أحد المهجّرين من بئر السبع، جانباً من الحكايات والتفاصيل التي عاشها الأجداد خلال النكبة الفلسطينية وما تلاها، حين كان طفلاً لم يتجاوز بضع سنوات من عمره، شاهداً على بدايات رحلة التهجير واللجوء.
ويستذكر عياد الحميدي بعض المشاهد التي عايشها، إلى جانب التفاصيل الكثيرة التي تناقلها الآباء والأجداد، قائلاً لـ"وكالة سند للأنباء": "كانت العصابات الصهيونية تخوض مناوشات واعتداءات متواصلة ضد الفلسطينيين منذ عام 1936 وما قبله، إلى أن انتهى الأمر بإقامة وطنٍ قومي لليهود على أراضي الفلسطينيين عام 1948".
ويروي ضيفنا: "في عام 1948، دخل جيش الاحتلال إلى القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، يقتلون من يقتلون ويهجّرون من يهجّرون"، مضيفاً أن الفلسطينيين، خلال رحلة التهجير، كانوا يُحذّرون أهالي القرى المجاورة من اقتراب قوات الاحتلال، ليتهيأوا هم أيضاً للرحيل القسري".
ويستكمل "الحميدي": "كنا نظن أن الغياب لن يطول، يوم أو يومين أو ربما أسبوع، لكن مضى 78 عاماً وما زلنا ننتظر العودة"، مردفاً: "لم نحمل معنا سوى مفاتيح البيوت الحجرية والطينية، على أمل أن نعود إليها بعد أيام قليلة".
ويتابع عياد الحميدي: "سرعان ما أقام جيش الاحتلال الإسرائيلي ما كان يُعرف بـ(خط الهدنة)، وهو السياج الفاصل الممتد على طول حدود قطاع غزة".
ويضيف: "مرّ يوم، ثم أسبوع، ثم شهر وسنوات طويلة دون أن نعود"، مستذكراً إحدى الحوادث التي لا تزال عالقة في ذاكرته: "كنت طفلاً صغيراً عندما حاول أحد أقارب والدتي التسلل عبر خط الهدنة من قطاع غزة إلى بئر السبع، لكنه ذهب ولم يعد، قبل أن نعلم لاحقاً أنه استُشهد برصاص الاحتلال".
وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي يستهدف كل مَن يحاول الدخول إلى الأراضي والقرى المحتلة. على حد تعبيره.
ذكريات طفولة..
ومن ذكريات طفولته، يروي عياد الحميدي مشهداً لا يزال محفوراً في ذاكرته، قائلاً إن الاحتلال فرض على الفلسطينيين الذين هُجّروا قسراً البقاء في أماكن نزوحهم، مضيفاً: "كُتب علينا الشقاء كحال آلاف اللاجئين".
ويستدرك: "عندما كنت طالباً في المرحلة الابتدائية، كان يُطلب من كل طالب كتابة اسمه ومكان إقامته، لكنني لم أكن أملك مكاناً ثابتاً للإقامة، إذ كنا ننتقل من مكان إلى آخر كل عام، هرباً من قسوة اللجوء وظروف الحياة".
وفي خضم حديثه يقاطع نفسه قائلاً: " طول عمرنا منكوبين وعايشين في نكبة، لكن مثل نكبة غزة من الـ2023، حتى هذه اللحظة لا يوجد".
نكبة أشد وطأة..
وهذا جيل آخر لم يعاصر النكبة ولم يعش تفاصيلها، لكنه نُكِب بحرب أشد، ونزوح أقسى وتهجير ممنهج، وحرب ضروس قُرعت طبولها منذ عامين ونصف، وكأن سيناريو التهجير تكرر من جديد.
السيدة خلود خليل (38 عاماً)، لم تلحق أحداث النكبة عام 48 لكنها عايشت نكبات فلسطينية وحروب طاحنة كان أبرزها حرب الإبادة الجارية، والتي وصفتها "ما في نكبة بعدها".
وتقول لـ"وكالة سند للأنباء" إنها نزحت برفقة عائلتها وأطفالها بين أكثر من سبعة أماكن داخل قطاع غزة، قبل أن ينتهي بها المطاف في أحد مخيمات النزوح وسط القطاع.
وتشارك ما كان يدور في خاطرها خلال رحلة النزوح قائلة: "كنت أردد وأنا أتنقل من مكان إلى آخر تحت القصف والرصاص: هل عاش أجدادنا في النكبة الفلسطينية ما نعيشه اليوم؟ هل مرّوا بكل هذا الخوف والتشرد؟"، قبل أن تجيب بحسرة: "نحن ذقنا ما لم يذقه أحد، عشنا الموت بالقصف والجوع والخوف في كل لحظة".
تضيف أن واقعهم اليوم لا يختلف كثيراً، رغم بقائهم داخل قطاع غزة، قائلة: "بيوتنا الواقعة شرق حي الشجاعية باتت تُصنَّف ضمن مناطق الخط الأصفر، التي يُحظر الاقتراب منها، إذ يصبح الموت مصيراً حتمياً لكل من يحاول الوصول إليها"،
وتُشير إلى أن الاحتلال ما يزال يواصل التهام تلك المناطق وتوسيع سيطرته عليها رغم إعلان اتفاق التهدئة "الهشة".
كان جدي يقول: "ما في زي البلاد"..
أما ملك الحاج (21 عاماً)، فتقول لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، إنها كانت تسمع من جدها حكايات النكبة الفلسطينية وكأنها قصص بعيدة يصعب تخيّلها، مضيفةً: "كان جدي يروي لنا حكايات الزمن القديم، وكنا نستمع إليها كأنها من نسج الخيال، إلى أن أصبح الخيال واقعاً نعيشه بأعيننا".
وتتابع: "اضطررت أنا وعائلتي للنزوح من خانيونس إلى منطقة المواصي غرباً سيراً على الأقدام، ومررنا بالحواجز وسط صراخ وإهانات من جيش الاحتلال، فيما كانت الدبابات تطلق قذائفها فوق رؤوسنا".
وتضيف بحسرة: "بعد عامين ونصف، أدركت معنى عبارة جدي: (ما في زي البلاد)، بعدما وجدت نفسي مع عائلتي نعيش داخل خيمة منذ عامين، عقب تسوية منزلنا بالأرض. كل الذكريات تحولت إلى غصّة في قلوبنا، وأصبح أقصى ما نتمنّاه أن نستعيد جزءاً من حياتنا القديمة".
