الساعة 00:00 م
الإثنين 02 نوفمبر 2026
25° القدس
24° رام الله
25° الخليل
29° غزة
4.21 جنيه إسترليني
4.43 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.52 يورو
3.14 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

حكومة الاحتلال المقبلة.. العرب أمام خيارات صعبة

جغرافيا ممزقة وديموغرافيا محاصرة.. هكذا مهّد "بلفور" لابتلاع الأرض وضمها

حجم الخط
هكذا تغيرت خريطة فلسطين منذ بلفور حتى الضم.
رام الله - وكالة سند للأنباء

رغم انقضاء 109 أعوام على صدور وعد "بلفور" المشؤوم عام 1917، والذي منح اليهود الحق في إقامة وطن لهم على أرض فلسطين، لا يزال الشعب الفلسطيني يكتوي وآثاره الممتدة حتى اليوم.

ومنذ إطلاق ذلك التصريح المشؤوم الذي تمر ذكراه اليوم الاثنين (2 نوفمبر/ تشرين ثاني)، أخذت خريطة فلسطين التاريخية البالغ مساحتها 27 ألفًا و27 كيلومترًا مربعًا تتآكل تدريجيًا تحت وطأة الاحتلال والاستيطان؛ لتنقلب المعادلة ميدانيًا، وتتحول الأراضي الفلسطينية اليوم إلى مساحات مبعثرة تطوقها مناطق السيطرة الإسرائيلية.

واستنادًا إلى البيانات التاريخية، وقرارات الأمم المتحدة، والاتفاقيات السياسية، يرصد مراسل "وكالة سند للأنباء" في هذا التقرير كيف استُنزفت الأرض الفلسطينية، وتحولت من جغرافيا متصلة تسيطر عليها الأغلبية العربية إلى جزر معزولة تُهيمن عليها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بالكامل.

جغرافيا متصلة وأغلبية عربية (1945 - 1946)

في عام 1945، ورغم المساعي المكثفة التي بذلتها الحركة الصهيونية لزيادة موجات الهجرة اليهودية وتملك الأراضي، حافَظَ العرب على ملكية نحو 85% من مساحة فلسطين، وفقًا لتقرير لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين.

ويُظهر التوزيع السكاني لعام 1946 أن العرب شكلوا الكتلة الديموغرافية الأكبر في البلاد، مقابل أقلية يهودية وفدت عبر هجرات متلاحقة ومنظمة أشرفت عليها الحركة الصهيونية.

وفي الـ 29 من نوفمبر/ تشرين الثاني 1947، وقبل أقل من عام على انقضاء الانتداب البريطاني، تبنّت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار (181) لتقسيم فلسطين إلى ثلاثة كيانات:

  •  دولة فلسطينية: تُقام على نحو 42.3% من الأراضي.
  •  ما تعرف بـ "دولة إسرائيلية": تُقام على نحو 57.7% من الأراضي.
  •  منطقة تحت الوصاية الدولية: تُغطي القدس وبيت لحم.

أعربت الدول العربية عن رفضها القاطع للقرار، مسببة ذلك بالإجحاف الصارخ بحق الفلسطينيين الذين حُرِموا من حقوقهم رغم كونهم يشكلون الأغلبية السكانية ويمتلكون الغالبية العظمى من الأرض.

النكبة ومصادرة جغرافيا الدولة الموعودة (1948)

في الـ 14 من مايو/ أيار 1948، أعلنت الحركة الصهيونية قيام دولة "إسرائيل"، وترتب على ذلك اقتلاع نحو 800 ألف فلسطيني من ديارهم؛ حيث هُدمت منازلهم، ومُحيت قراهم واستُبدلت بأسمائها أسماء عبرية، ليتحولوا إلى لاجئين مشتتين في بقاع الأرض.

ولم تكتفِ الميليشيات اليهودية بالسيطرة على المساحة المخصصة لها بموجب خطة التقسيم، بل انتزعت بالإضافة إليها نحو 60% من الأراضي التي أفردها القرار للدولة الفلسطينية.

النكسة وجدار الفصل وتفتيت الجغرافيا (1967 - 2002)

في الخامس من يونيو/ حزيران 1967، شنت "إسرائيل" عدوانًا عسكريًا واسعًا على ثلاث جبهات، أسفر عن احتلال قطاع غزة والضفة الغربية، وتهجير موجات جديدة من الفلسطينيين.

وفي عام 1995، وُقّع اتفاق أوسلو الثاني الذي قسّم أراضي الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج)، مع إبقاء ملفات أمن الحدود والقدس والمستوطنات تحت السيطرة الإسرائيلية المطلقة.

وبحلول عام 2002، شرعت سلطات الاحتلال في تشييد جدار الفصل العنصري داخل الضفة الغربية لمنع دخول الفلسطينيين إلى المناطق الواقعة تحت سيطرتها، مما جسّد أداة مستحدثة لتقطيع أوصال الأراضي الفلسطينية.

مشاريع الضم والابتلاع الممنهج (2025)

وصولاً إلى يوليو/ تموز 2025، أقر الكنيست الإسرائيلي مقترحًا يدعو الحكومة إلى فرض سيادتها على الضفة الغربية وغور الأردن.

بالتزامن مع ذلك، اعتمدت الحكومة الإسرائيلية خطة "إي 1" الاستيطانية الكبرى، والتي تتضمن تشييد نحو 3400 وحدة استيطانية جديدة بهدف عزل شمال الضفة الغربية عن جنوبها.

الضفة والقدس.. قفزة قياسية في الضم (2026)

تترجم التداعيات الحالية لوعد بلفور في الضفة الغربية والقدس عبر هجمة استيطانية غير مسبوقة وسياسة ضم فعلي تكرّس اقتلاع الأرض والسكان؛ إذ كشفت المعطيات الرسمية لهيئة مقاومة الجدار والاستيطان لعام 2026 عن قفزة قياسية في وتيرة السيطرة على الأرض تبرز عبر المحاور التالية.

  •  التعاظم الديموغرافي الاستيطاني: ارتفع إجمالي عدد المستوطنين إلى نحو 780 ألف مستوطن، يتوزع 333,600 منهم في القدس، مقابل 446,400 مستوطن ينتشرون في مختلف محافظات الضفة.
  •  البنية التحتية للاستيطان: يتوزع المستوطنون على 592 منشأة استيطانية، تضم 192 مستوطنة رسمية و400 بؤرة استيطانية، من بينها 231 بؤرة رعوية وزراعية دُشنت خصيصًا كأداة لالتهام مساحات شاسعة من المراعي والأراضي المفتوحة.
  • الهيمنة الجغرافية: تُوّجت هذه الترسانة الاستيطانية بفرض السيطرة المباشرة على نحو 42% من إجمالي مساحة الضفة الغربية، في حين يمتد النفوذ ليطال 71% من الأراضي المصنفة (ج) و91% من مساحة الأغوار الفلسطينية.
  •  التشريع الهيكلي وشرعنة البؤر: تسارعت إدارات التخطيط في سلطات الاحتلال خلال النصف الأول من عام 2026 بدراسة وتمرير أكثر من 110 مخططات هيكلية لتوسيع المستوطنات والموافقة على عشرات آلاف الوحدات السكنية الجديدة، لتدمير أي تواصل جغرافي، بالتوازي مع شرعنة عشرات البؤر العشوائية وتحويلها إلى مستوطنات قائمة بذاتها لتثبيت الضم.
  • التهجير القسري للمجتمعات: أدت اعتداءات المستوطنين الممنهجة إلى تهجير ما لا يقل عن 118 تجمعًا سكنيًا ورعويًا فلسطينيًا قسرًا عن ديارهم وموارد مياههم.

قطاع غزة.. الانكماش الجغرافي والديموغرافي (2026)

أمّا في قطاع غزة، فتأخذ التداعيات بُعدًا أكثر مأساوية عبر فرض سيطرة عسكرية مباشرة تجاوزت حاجز 70% من إجمالي مساحة القطاع، أي ما يعادل 255 كيلومترًا مربعًا من أصل 365 كم²؛ إذ أقدمت سلطات الاحتلال على تحريك ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" قسرًا نحو الغرب، لتلتهم وتضم المزيد من الأحياء السكنية المأهولة ومراكز الإيواء.

ويترافق هذا القضم الجغرافي مع انكماش ديموغرافي حاد وتراجع مفاجئ بنسبة تجاوزت 10% في عدد السكان (من أصل 2.1 مليون نسمة) جراء حرب الإبادة وما أفرزته من حالات الفقد والنزوح والهجرة القسرية، في وقت يواصل فيه مئات الآلاف من النازحين العيش في خيام ومراكز إيواء مؤقتة تُجرّدهم من أدنى المقومات الأساسية للبقاء.

وتعقيبًا على ما سبق، تحدث الكاتب والمحلل السياسي سعيد زيداني لـ "وكالة سند للأنباء"، مشيرًا إلى أن وعد بلفور جسّد الشرارة الحقيقية للعدوان على فلسطين، وهو ما وضحه المؤرخ رشيد الخالدي في كتابه "مائة عام من الحرب على فلسطين".

وأوضح زيداني أنه بالنظر إلى التاريخ الجغرافي، نجد أن الوعد شمل كامل فلسطين التاريخية بالإضافة إلى شرق الأردن، قبل أن تُفصل الأخيرة في أربعينيات القرن الماضي ويُنَصّب الأمير عبد الله حاكمًا عليها، ليتركز نطاق الوعد لاحقًا على الجغرافيا الممتدة من البحر إلى النهر.

ولفت إلى أنه رغم المحاولات البريطانية لإنتاج سياسات توفيقية تنادي بإقامة دولتين، إلا أن مخرجات حرب عام 1948 كَرّست قيام دولة "إسرائيل" وبسطت سيطرتها على الجزء الأكبر من فلسطين، باستثناء الضفة الغربية وقطاع غزة في تلك المرحلة.

من جانبه، أكد مدير مركز "شمس" لحقوق الإنسان عمر رحال لـ "وكالة سند للأنباء"، أن تصريح بلفور عام 1917 يتجاوز كونَه وثيقة سياسية عابرة؛ إذ شَكّل نقطة الانطلاق لمشروع استعماري متواصل تتبدى آثاره الحالية في توسيع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وحرمان الفلسطينيين من التواصل الجغرافي.

وبَيّن رحال أن بريطانيا منحت لنفسها سلطة التصرف بالأراضي الفلسطينية افتقارًا لأي ولاية قانونية أو سياسية تتيح لها ذلك، ومُتجاهِلة الإرادة الوطنية للشعب الفلسطيني وحقه الثابت في تقرير المصير.

وأشار إلى أن العقيدة الاستعمارية ذاتها تعيد إنتاج أدواتها اليوم من خلال توسيع البؤر الاستيطانية، وهدم المنازل، وتضييق خناق الحركة في القدس والضفة الغربية.

وأكد أن الاستيطان يمثل هندسة منهجية لتغيير المعالم الجغرافية بالقوة وتحويل الوجود الفلسطيني إلى كانتونات ومعازل محاصرة.