السايح .. مقاومٌ حتى الرمق الأخير

حجم الخط
بسام السايج وزوجته
غزة _ وكالة سند للأنباء

في صورةٍ فريدة، تحمل معاني الحبّ والانتصار، جمعت قلب مُحبيّن، عاهدا نفسيهما على السير معاً في درب النضال والجهاد، خُلدتْ لحظةُ من القرب تمنى فيها الأسير بسام السايح (47 عاماً)، وزوجته منى أبو بكر أن تكونَ آخر صورة تجمعهما في السجن، علّ أملاً قريباً يمنحهما حرية الحياة.

لم تكن تعلم منى أن تلك الصورة، هي الأخيرة لهما معاً، وأن الزمن سيتوقفَ عندها، وستحتشد الذكريات في إطارها، وستغدو تفاصيل الحياة التي قضتها مع زوجها ماضٍ لن تُعيده الأيام، وسينبش الحنين فصوله كلما رمقتها بعيونها، فالاحتلال قد بدد حلمهما في العيش معاً من جديد.

صاحب الابتسامة التي لم تغب عن محياه، كانَ مناضلاً في درب حياته، وصاحب قلم يفضح جرائم محتل لعين، فحصل السايح على درجة البكالوريوس في الصحافة والعلوم السياسية من جامعة النجاح، وماجستير التخطيط والتنمية السياسية من الجامعة ذاتها، وعمل بمكتب جريدة "فلسطين" في الضفة الغربية.

عملية إيتمار

حبُ الوطن كان متصدراً قلب السايح، فلم يتحمل قلبه ما حدث لعائلة الدوابشة، حيث أشعل مجموعة من المستوطنين النار في منزل العائلة بقرية دوما بنابلس، ليُقتل على إثرها الرضيع علي ( 18 شهراً)، ووالده ووالدته، ويصاب شقيقه أحمد (4 سنوات) بجروح خطيرة.

عمّ الحزن والحداد على قلوب الفلسطينيين بعد الحادثة، ليعاهد السايح نفسه وبعضاً من رفاقه، أن ينتقم لتلك العائلة البريئة ولدمائها الطاهرة، لينفذ مع رفاقه عملية إيتمار عام 2015، التي أدت إلى مقتل مستوطنين، وفجرت انتفاضة القدس.

المرض والاعتقال

خلف القضبان كانت تمكث زوجته منى، وقرر زوجها بسام أن يزورها، حيث تعمدت المخابرات الإسرائيلية تمديد اعتقالها، حتى يزورها زوجها، وباللحظة التي وصل فيها لمحكمة سالم العسكرية لزيارة زوجته الأسيرة، تم اعتقاله، واقتياده مباشرة إلى معسكرات التحقيق في بتاح تكفا.

إصابة السائح بسرطان الدم والعظم، لم تكن لتشفع له من عدم اعتقاله، حيث اعتقله الاحتلال في الثامن من أكتوبر عام 2015، تعرض خلاله لتحقيق ميداني قاس وصعب، دون النظر لوضعه الصحي الحرج، وحكم عليه بالسجن المؤبد مرتين، إضافة إلى 30 سنة أخرى، بتهمة مشاركته في عملية ايتمار.

إهمال طبي

الإهمال المتعمد كانَ جلياً في التعامل مع قضية السايح، حيث عانى خلال اعتقاله من قصور حاد في القلب والتهاب رئوي مزمن، ومشاكل في التنفس والحركة، وهشاشة في العظم، وضيق في التنفس، واحتقان رئوي أدى لتعطل الرئة بشكل جزئي، وتجمع المياه في القدمين.

كما وعانى السايح من التهابات في الكبد، وهي علامات وجود فشل في القلب من الدرجة الرابعة، وهي الأشد خطورة، وصنف من أكثر الحالات المرضية خطورة في سجون الاحتلال.

تعمدت سلطات الاحتلال إهمال الأسير بسام السايح طبياً، فعاملته إدارة السجون معاملة أي مريض بمرض عابر، ليقتصر علاجه على المسكنات وفحص عام فقط، في حين أن الجميع يعرف الإجراءات الصحية التي تتّبع مع مريض السرطان.

أخضع الاحتلال السايح لتحقيق قاسٍ وميداني صعب، ووضع بظروف اعتقالية غير مناسبة، فأصيب بانتكاسات صحية متلاحقة.

وتعرض الشهيد السايح أواخر شهر يوليو الماضي لانتكاسة صحية بالقلب، نُقل على إثرها من سجن "جلبوع" إلى مستشفى العفولة، ثم إلى سجن مستشفى الرملة، ودخل قبل أيام بحالة حرجة جدًا بعد تدهور إضافي طرأ على عضلة القلب التي أصبحت تعمل بنسبة 15% فقط.

رحيل المقاوم

في الثامن من سبتمبر عام 2019 استشهد الأسير المجاهد بسام السايح بعد معاناة مع مرض السرطان، نتيجة إهمال مصلحة السجون الإسرائيلية لوضع الصحي بعد اعتقال دام سنوات في ظل تفاقم حالته الصحية سوءاً.

وأعلنت كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس أن السايح أحد قادتها الميدانيين، الذي شاركوا في تنفيذ عملية إيتمار البطولية، وأنه أحد مفجري انتفاضة القدس عام 2015م.

وفي ظل الألم الذي حلّ بقلب منى زوجة الأسير السايح، والوجع الذي سينهش ذاكرتها، لا زالت تدعو إلى إنقاذ بقية الأسرى المرضى قبل وفاتهم والبكاء عليهم دون أدنى فائدة.

بقلبٍ صابر ومحتسب تقول لـ "وكالة سند للأنباء": "تعمدوا قتل زوجي لكنّه كان قوياً وصابراً رغم الحكم الجائر عليه كمريض يعاني المرض، بسام شهيدا، المهم ألا نفقد أسرى جدد شهداء".

رحل السايح، تاركاً خلفه ابتسامة المنتصر الذي لم يقبل الظلم والضيم، فكان متراساً منيعاً وسدا ًحامياً لأبناء شعبه الفلسطيني، فقدم عمره وصحته وابتسامه في ظل أن يُبقى شعلة نضال الكلمة والرصاصة مستمرة.