هربًا من الظروف والمجتمع.. "عرائس بالتقسيط" في غزة

حجم الخط
غزة - وكالة سند للأنباء

مع تردي الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، وارتفاع تكاليف الزواج من مسكن ملائم وتأمين صالة فرح وفستان الزفاف وغيرها من المستلزمات، انتشرت في الآونة الأخير ظاهرة "تقسيط المهور" لتيسير الزواج بالقطاع.

وتقوم فكرة "الزواج بالتقسيط" على اتفاق غير معلن بين الطرفين (أهل الخطيبين)، على أن يدفع العريس إما نصف المهر أو جزءًا منه، وما تبقى يدفعه على أقساط موثقة بـ "شيكات" أو "كمبيالات مالية"، وفي المحكمة يقر وكيل العروس بـ "قبض المهر كاملا".

لكن الكثير من الشباب نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة لا يستطيعون الإيفاء بهذه الالتزامات، مما يضع الفتاة أمام خيارين إما التنازل عن حقها خشية حدوث مشاكل وطلاقها، أو المطالبة مباشرة بـ "الطلاق" لأنه لم يكن "رجلًا عند كلمته".

وفي كلا الحالتين يتطلب من أهل العروس إثبات حق ابنتهم بأنها لم تستلم المهر كاملًا، خلافًا لما هو موثق بالعقد الرسمي، هذا كله يؤدي لتفجير خلافات أسرية كبيرة، من نتائجها "هدر حق المرأة" في كثير من الأحيان.

في هذا التقرير تستعرض "وكالة سند للأنباء" عددًا من قصص الزواج التي تمت بـ "تقسيط المهر"، وآخرى لم تنجح بسبب عدم إيفاء العريس بالتزاماته، إضافة لآراء مجموعة من المواطنين بشأن هذه القضية.

"قصص ناجحة"

"يُسرا" (26 عامًا) شابة، تقدم رجل لخطبتها بشرط ألا يتم دفع المهر مرة واحدة لعدم قدرته على ذلك، تقول: "لم أفكر بما تبقى من المهر، حاولت خلال فترة الخطوبة توثيق علاقتي به، لمعرفة شخصيته، هل يستحقني أم لا، بينما أهلى كانوا يحاولون الضغط عليه لاكمال المهر".

وتُكمل: "في غزة الشاب يبدأ من الصفر بتكوين نفسه، لهذا أقنعت أهلي بأن الـ 500 دينار المتبقية من المهر بالنسبة لي غير مهمة، المهم هو وكيف سيكون معي بعد الزواج".

تمّ زواج يُسرا بالفعل، بعد شهور من الخطوبة، رغم عدم قبول أهلها بفكرة "هروب العريس" من تسديد باقي المهر، تصف زواجهما بـ "ناجح الحمدلله" وهذا ما جعلها ترضى بالتنازل والتغاضي.

في حالة مشابهة لزواج يُسرا، تقول أم خالد أنها تزوجت بذات الطريقة وكان مهرها 2000 دينار، لكن الشاب لم يكن قادرًا على دفع المهر كاملًا، فتوافق الطرفين على "تقسيط المهر" قبل أن يتم الزواج.

وتُشير أم خالد إلى أن فترة خطوبتهما استمرت لسنة ونصف والسبب "عدم موافقة أهلي بالزواج قبل الإيفاء بالمهر كاملًا"، ولم يكن لديها مشكلة بهذا النوع من الزواج طالما "إنك ارتبطي برجل" على حد قولها.

في المقابل هناك الكثير من الفتيات لا يقبلن بفكرة الزواج قبل إتمام المهر كاملًا، وهذا يُفجر مشاكل أحيانًا خلال فترة الخطوبة، أو بعد أشهرٍ من الزفاف، بسبب عدم قدرة الشباب على دفع ما عليهم من أقساط لعائلة العروس.

"دُنيا" فتاة لم تتجاوز الـ 19 عامًا، تمت خطبتها على رجل من معارف عائلتها، دون مهر، مع إقرار والدها في المحكمة بـ "قبض المهر كاملًا"، وتعهد أهل العريس أن يتم دفعه خلال فترة الخطوبة.

وبعد أشهرٍ من ارتباطها، لم يكن هناك "آي بوادر لدفع ولو جزء من المهر"، هذا دفعها للمطالبة بحقها في ذلك، لكن في كل مرة كان هناك مماطلة من أهل العريس، إلى أن انتهى الأمر بينهما "فسخ الخطبة".

"سجود"، هي الأخرى ارتبطت بأحد أقربائها، قبل حوالي عام، وكان من المقرر أن يتم حفل زفافها في شهر أكتوبر الجاري، لكن لعدم دفع العريس المهر، أجلت زفافها تقول: "ليس لدي مشكلة سأنتظر عامًا آخر، لكن لا يمكن القبول بالزواج قبل دفع المهر، هذا التنازل برأيي ليس في مكانه".

آراء

وفي استعراض "وكالة سند للأنباء" لمجموعة من آراء المواطنين بشأن هذه القضية، انقسمت الآراء لقسمين الأول: يوافق الفكرة في سبيل تيسيير الزواج والهروب من كلام المجتمع بشأن "عنوسة الفتيات، فكلام الناس لا يرحم" على حد قولهم.

وفي توضيح أكثر لمبررات هذه الفئة، يرون أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في قطاع غزة تزداد سوءًا يومًا بعد يوم فمن أين سيكوّن الشاب نفسه؟ والأصل مراعاته والقبول بـ "فكرة تقسيط المهر" وإلا سيزداد "العزوف عن الزواج".

أما القسم الثاني من الآراء فهو يعارض بشدة هذا النوع من الزواج : "بنات الناس ليست سلعة أو تلاجة أو غسالة كي يتم تقسيطها"، واصفين هذا النوع من الزواج بـ "الفاشل" إلا ما نذر.

ويعلل المعارضون رأيهم بالقول: "غير قادر على دفع المهر هل سيكون قادرًا على فتح منزل ورعاية عائلة وأطفال في المستقبل؟ عدا عن ذلك في حالات ما سيتعرضن الزوجات للإهانة من أزواجهن بعد الزفاف "أخذناكي ببلاش".

ويرون أنه الأفضل للخروج من هذه الدائرة هو "تخفيض المهور لتيسير الزواج وليس تقسطيها".

إحصائية رسمية

وفي إحصائية صادرة عن رئيس مجلس القضاء الشرعي في غزة حسن الجوجو، فإن هناك  انخفاض في نسبة الطلاق، كما يوجد انخفاض في نسبة المقبلين على الزواج بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها القطاع منذ سنوات.

ونفي الجوجو ما أشيع حول ارتفاع نسبة الطلاق في قطاع غزة، واصفًا الإحصائيات التي تتحدث عن ارتفاع النسبة بـ "غير صحيحة" هدفها "التحريض ضد غزة".

وبلغ عدد حالات الزواج خلال عام 2018 ،  15392 حالة، مقابل 3171 حالة طلاق وبنسبة 20.6٪، وفق الجوجو.

وأشار الجوجو إلى أن نسبة الطلاق قبل الدخول "الخلوة" بلغ 41.7 ٪، في حين بلغت نسبة الطلاق بعد الزواج 58.3 ٪.

وقلّت نسبة الطلاق عام 2018 عن 2017 بـ84 حالة، ويرى الجوجو أن المشكلة ليست في الطلاق، وإنما في انخفاض معدلات الزواج وتراجعها في قطاع غزة.

ولفت إلى أن عام 2018 شهد انخفاضا كبيرا في نسبة الزواج في غزة، متوقعاً أن تكون نسبة الانخفاض في 2019 أكبر من الأعوام السابقة نظراً للظروف المعيشية السيئة.