في زحمة الحكايا الموجعة في قطاع غزة، تعيش عائلة الشهيد الصحفي محمود السراج وشقيقه الشهيد رشدي على ذكراهما بعد رحيلهما، فبعد أن جمعتهما علاقة استثنائية في الدنيا، غادر الشقيقان شهيدين وبقيت ذكراهما.
فبعد أن كان محمود ينقل للعالم صور المجازر والدمار، أصبح هو الخبر ولحق بشقيقه الشهيد رشدي، الذي سبقَهُ في قائمة الشهداء، تاركًا خلفه فراغًا في قلوب أحبائه وذاكرة لا تُمحى.
تحدثنا زوجة الشهيد رشدي شروق العيلة عن الأخوين الشهيدين، وتقول: "تجلت قوة العلاقة الأخوية بين محمود وشقيقه الشهيد رشدي في كل تفاصيل حياتهما،فكانا يشكلان ثنائيًا فريدًا، يجمعهما انسجام غير عادي، وتوافق مثمر في العمل الصحفي والتصوير".
وتتابع حديثها لـ "وكالة سند للأتباء" :"كونهما الشقيقين الأكبر بين سبعة أشقاء، أربعة ذكور وثلاث إناث، بقي منهم ولدان وثلاث بنات بعد استشهادهما، تحمل محمود ورشدي مسؤولية مشتركة وضربا مثالًا للأخوة المتينة".
لم تقتصر علاقتهما الوثيقة على العمل فحسب، بل امتدت لتشمل علاقتهما بوالديهما، التي وصفت بأنها "تربية خلوقة مهذبة وشفافة".
وتروي لنا زوجة الشهيد محمود: "رغم ضغوط العمل، كان محمود ورشدي يحرصان على تخصيص وقت للعائلة والأصدقاء، مدركين أهمية التوازن بين المسؤوليات المهنية والحياة الشخصية فكانا يجددان طاقتهما بالخروج والاستمتاع بلحظات بعيدة عن صخب الأحداث".
فراغ لا يعوّض..
شكّل رحيل رشدي صدمة لشقيقه محمود، وعن ذلك تحدثنا ضيفتنا: "لم يكن يخطر على بال محمود أن يفقد شقيقه رشدي، فقد كان استشهاده ثابة صدمة هزت كيانه، وتركت في نفسه فراغًا لا يُعوض".
وتردف: "فاجعة رحيل رشدي حمّلت محمود مسؤولية جديدة، مسؤولية الأخ الأكبر الباقي، ليصبح سندًا وعونًا لإخوته وأخواته".
وعرف محمود بحبه للجميع وسعيه الدائم لتقديم المساعدة والعون لكل من يحتاجها، كانت روحه المعطاءة وإنسانيته الفياضة صفات بارزة في شخصيته.
وشاء الله أن يختم محمود حياته وهو يمارس عمله الصحفي والإنساني، حيث كان يوثق بعدسته افتتاح مخيم في منطقة شمال غزة برفقة فريق التصوير الخاص بالعمل الخيري، في 15 مارس/ آذار الماضي.
واستهدفت طائرات الاحتلال فريق العمل الخيري الذي كان يرافقه محمود في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، ما أسفر عن استشهاد 9 مواطنين بينهم صحفيون ومصورون.
تستذكر زوجة الشهيد رشدي موقفًا لمحمود قبيل استشهاده، وتروي لنا: "خلال شهر رمضان، حيث كان يجلس على مائدة الإفطار معنا، كان محمود يتحايل بلطف ومحبة على ابنتي "دانية" الصغيرة ليقنعها بتناول الطعام، بينما كان هو نفسه لا يأكل إلا القليل، وكأن قلبه الكبير كان يكتفي بإسعاد من حوله".
يوم الشهادة
أما عن تفاصيل استشهاده، فهي تروي مشهدًا من الألم والفقد الذي يعيشه الفلسطينيون، فبعد استهداف طائرة التصوير التي كانا بالقرب منها، نجا محمود وزملاءه مؤقتًا.
لكن غدر الاحتلال لم يمهلهم طويلًا، فبينما كانوا يستقلون السيارة بعد انتظار دام ثلث ساعة، استهدفتهم طائرات الاحتلال مجددًا، لتصعد روح محمود الطاهرة إلى بارئها.
وبكلمات يلفها الحزن، تنعى "شروق" شقيق زوجها بقولها: "ستبقى ذكراه العطرة وإنسانيته الملهمة محفورة في قلوب كل من عرفه، وشاهدًا على قيم الأخوة والتضحية والعطاء التي تجسدت في حياته القصيرة".
ويتعمد الاحتلال استهداف الصحفيين الفلسطينيين في قطاع غزة بشكل ممنهج، في محاولة دنيئة لإسكاتهم ومنعهم من نقل الحقيقة للعالم، هؤلاء الصحفيون، الذين يقفون في الخطوط الأمامية لمواجهة القصف والدمار، يصبحون هدفًا دائمًا للقتل والتهديد.
وأعلن المكتب الإعلامي الحكومي عن ارتفاع عدد الشهداء الصحفيين منذ بداية حرب الإبادة المستمرة منذ أكثر من 16 شهرًا إلى 209 صحفيين.