الساعة 00:00 م
الإثنين 20 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.08 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.48 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

دير جرير تشيّع الشهيدين "فراخنة"و"أبو مخو"

"غزة مباشر".. 7 شهداء وإصابات بخروقات إسرائيلية جديدة للهدنة

شهيـدان وإصابات في 18 اعتـداء إسـرائيـليـا أمس الأحد

ترجمة.. بوليتيكو: أوروبا عالقة بين توصيف الإبادة في غزة ودبلوماسية العجز

حجم الخط
أوروبا غزة.jpg
غزة- وكالة سند للأنباء (ترجمة خاصة)

بعد صدور تقرير لجنة تحقيق أممية خلص صراحةً إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي ترتكب إبادة جماعية في غزة، بدا أن بروكسل تتحرّك أخيرًا من خانة الإدانات اللفظية إلى ساحة الإجراءات.

فقد أعلنت المفوضية الأوروبية حزمة مقترحات تتضمن تعليق التفضيلات التجارية وفرض عقوبات على وزراء إسرائيليين متطرفين ومستوطِنين عنيفين—في خطوة تُقدَّم باعتبارها “ردًا متناسبًا” مع اتساع الكارثة الإنسانية.

لكن سرعان ما ارتدّ الزخم على ذاته: جدار الانقسام الأوروبي و«الفيتو» غير المعلن من عواصم محورية يجعل المسار التنفيذي صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا على المدى القريب، بحسب ما أبرزت صحيفة بوليتيكو.

تقرير أممي غير مسبوق… ولا عزيمة أوروبية موازية

التسمية الأممية هذه المرّة واضحة: إبادة جماعية. لجنة التحقيق المستقلة برئاسة نافي بيلاي قدّمت ملفًا قانونيًا يُسند نية الإبادة بأربعة من أركانها الخمسة وفق اتفاقية 1948، مستشهدةً بأنماط القتل واسع النطاق، التجويع القسري، التهجير، واستهداف البنى المدنية، فضلًا عن تصريحات رسمية إسرائيلية تُستدلّ بها على القصد.

ولا يُعبّر التقرير عن «موقف الأمم المتحدة كمنظمة» لكنه يرفع سقف الضغط الحقوقي والسياسي على الدول الأعضاء.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحكومة الإسرائيلية رفضت واستنكرت التقرير الأممي؛ لكن العبء القانوني انتقل إلى عواصم القرار: من يتخلّف عن منع الإبادة قد يُعدّ متواطئًا بموجب الاتفاقية.

مقترحات المفوضية: أرقام كبيرة واحتمالات صغيرة

في اليوم التالي مباشرةً، طرحت المفوضية خيارات لتعليق جوانب من اتفاق الشراكة مع دولة الاحتلال وإعادة رسوم جمركية على جزء كبير من التجارة الثنائية.

ويبرز هنا أن الاتحاد الأوروبي هو الشريك التجاري الأكبر لإسرائيل، وحجم التجارة في 2024 بلغ 42.6 مليار يورو؛ نحو 37% منها يستفيد من معاملة تفضيلية قد تُمسّ بالحزمة المقترحة.

على الورق، التأثير محتمل؛ عمليًا، يحتاج التنفيذ إلى مسار تصويت معقّد ودعم سياسي غير متوفر حتى الآن.

على المسار الموازي، كانت بروكسل قد اقترحت في يوليو تعليقًا جزئيًا لمشاركة إسرائيل في برنامج «هورايزن أوروبا» البحثي—إجراء يُنظر إليه كـ«العقوبة الأخف» لربط العلم بالمعايير الحقوقية. حتى هذا المقترح ظلّ عالقًا بسبب غياب أغلبية الدول المؤيدة. الفجوة بين الخطاب والقرار التنفيذي بقيت واسعة.

برلين… مركز الثقل المتردد

هنا يظهر ثقل ألمانيا. منذ 8 أغسطس/آب 2025 أعلنت حكومة فريدريش ميرز وقفًا لتراخيص تصدير السلاح القابل للاستخدام في غزة—تحوّل لافت في السياسة الألمانية.

لكن برلين، ومعها عواصم كإيطاليا والنمسا والمجر ودول وسط/شرق أوروبا، لا تبدو مستعدة للتوقيع على تعليق شامل للتفضيلات التجارية أو حزمة عقوبات موسّعة على المستوى الأوروبي.

من دون ألمانيا، لن تمرّ إجراءات التجارة بالأغلبية المطلوبة؛ أما العقوبات الفردية على وزراء فتتطلب إجماعًا مستعصيًا. هكذا يطغى الحساب الداخلي (ذاكرة الهولوكوست، بنية التحالف، ورهانات حزبية) على الالتزام المعلن بـ«القيم» والواجبات الدولية.

روح أوروبا المعذّبة: فجوة بين القانون والسياسة

في المستوى القيمي، تبدو أوروبا ممزّقة بين سرديتها المؤسِّسة—حقوق الإنسان وسيادة القانون—وبين اعتباراتٍ جيوسياسية (أمن الطاقة، الاستقطاب الأميركي-الصيني، حروب الأطراف) تجعل غزة ملفًا «غير مريح» يُدار بأدوات الحدّ الأدنى. ثلاث حقائق تُعرّي هذا التمزّق:

قوة الوصف وضعف الفعل: من توصيف أممي للإبادة إلى حزمة أوروبية «طموحة»، لكن المحصّلة التنفيذية تبقى أقرب إلى «أوراق خيارات» منها إلى قرارات مُلزِمة.

تجزئة المسؤولية: دولٌ أوروبية منفردة أعلنت خطوات (كوقف سلاحٍ معيّن أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية)، لكن الإطار الجماعي للاتحاد يبقى رهينة فيتوات متقاطعة وشروط أغلبية معقّدة.

اختبار اتفاقيات الشراكة: بند حقوق الإنسان في اتفاق الشراكة مع إسرائيل خضع لمراجعات، ونتج عنه اقتراح تعليق جزئي لهورايزن ثم الحديث عن التفضيلات الجمركية—غير أن ذلك لم يترجم إلى نظام عقوبات مستقر. النتيجة: رسائل متناقضة تضعف الردع وتُقوّي سردية «لا كلفة تُذكر».

لماذا لا يمرّ «اليوم التالي» أوروبيًا؟

تُظهر هذه الجولة أن هندسة القرار الأوروبي—بين المفوضية والمجلس—تمنح أي تكتّل من الدول حقّ تعطيل مبادرات مفصلية. كذلك، تُبقي سيولة المشهد الألماني القرار معلّقًا: برلين اتخذت خطوة تسليحية لافتة، لكنها لا تريد تحمّل تداعيات اقتصادية وتعقيدات قانونية لتجميد واسع للتجارة.

ومن زاوية السياسة الداخلية، يَحسب ميرز كلفة الانعطاف على علاقة تياره المحافظ التقليدية بـ«أمن إسرائيل» كجزء من «أسباب الدولة» الألمانية. النتيجة: مقاربة «أضعف الممكن»، مع نزوع إلى تحميل القرار للدول فرديًا بدلًا من تفعيل قوة الاتحاد ككتلة.

وسيظل تقرير لجنة التحقيق الأممية مِرآةً أخلاقية تُحرج العواصم: إن كانت الإبادة قائمة قانونيًا، فإن الواجبات واضحة—المنع والمعاقبة ووقف التزويد المادي والمعنوي الذي يُسهم في استمرار الجريمة.

لكن الروح الأوروبية المعذّبة تقف بين ضغط الرأي العام، واستحقاقات القانون الدولي، وحسابات سياسة داخلية لا تريد خسائر تجارية أو صدامات حزبية. لذا تبدو عقوبات بروكسل—إن ظهرت—مرشّحة لأن تكون جزئية ومتدرجة، مع إبقاء أبواب الالتفاف مفتوحة.

وحتى يحدث توافقٌ ألماني-فرنسي صلب، سيظل الحديث عن «تحول أوروبي» أكبر من أدواته الفعلية، وأصغر من حجم المأساة التي وثّقها تقرير الأمس.

وخلصت الصحيفة إلى أن الحرب في غزة كشفت هوّةً بين لغة المبادئ وقواعد المصلحة؛ رفعت التقارير الأممية سقفَ التوصيف القانوني، لكن أوروبا—المُنادية بالقيم—لا تزال تُدير الملف بمنطق تخفيف الضرر لا تغيير المعادلة. وهذه، بحد ذاتها، أزمة ضمير قبل أن تكون أزمة أدوات.