تشهد مدارس الضفة الغربية منذ نحو شهرين إضرابًا جزئيًا من قبل المعلمين، يتمثل في تعطيل الدوام منذ الصباح أو تقديم حصتين أو ثلاث حصص يوميًا، احتجاجًا على صرف 50% فقط من الرواتب.
يأتي ذلك في ظل قرار وزارة التربية والتعليم العالي بتقليص الدوام إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا، نتيجة الظروف الاقتصادية الحالية وأزمة الرواتب.
ويطالب المعلمون بصرف راتب كامل لهم لضمان انتظام العملية التعليمية، في حين تبرر الحكومة عدم قدرتها على ذلك بأزمة المقاصة وصرف الرواتب للموظفين الحكوميين، ما يزيد من الاحتقان بين المعلمين والجهات الرسمية.
تصاعد الاحتجاجات بعد توقيف المعلمين
تفاقمت الأزمة بعد قرار إيقاف 8 معلمين من يطا جنوب الخليل عن العمل بسبب الإضراب، ما دفع مدارس أخرى للانضمام إلى الإضراب تضامنًا مع زملائهم.
المعلم عمر سراحنة من يطا جنوب الخليل أحد الموقوفين عن العمل، يعتبر قرار التوقيف "منحنى عجيب وتجاوز كل القوانين التي تكفل للمعلم الاحتجاج".
وأكد سراحنة في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء " أن المطالب لا تتجاوز الحصول على راتب كامل مقابل دوام كامل.
وأضاف أن محاولات المديرية لوقف الإضراب مقابل إلغاء القرار تم رفضها، حفاظًا على زملائه وكرامته أمام الطلاب، مشيرًا إلى أن تقليص الدوام إلى ثلاثة أيام أثر سلبًا على التحصيل العلمي للطلبة.
وفي السياق ذاته، يؤكد المعلم خالد أبو وردة (57 عامً) من مخيم الفوار جنوب الخليل، الذي شمله أيضًا قرار التوقيف بعد 35 عامًا من التدريس بمادة الفيزياء أنّ لإضراب غير مسيس، وكل معلم يضرب بما يراه مناسبًا.. هدفنا توفير لقمة العيش والاحتياجات الأساسية للمعلمين وأسرهم".
وأضاف أبو وردة لـ "وكالة سند للأنباء" أن القرار جاء رغم التزامه بإعطاء حصص إضافية أسبوعيًا لمساعدة الطلبة، ومطالبهم تتعلق بحق أساسي وبسيط: راتب كامل مقابل دوام كامل، لا أكثر ولا أقل.
وأضاف أن القرار جاء رغم مستحقاته المالية المتراكمة لدى الحكومة والتي تتجاوز 70 ألف شيقل.
ونوّه إلى أنّ المعلمين الثمانية الذين صدر بحقهم القرار يدرسون في خمسة مدارس، بينهم أربعة من مدرسة واحدة، مجددًا تأكيده أن مطالبهم واضحة وبسيطة.
في خضم هذه التطورات، وصف أحد النشطاء في حراك المعلمين، والذي فضّل عدم الكشف عن هويته، الوضع الذي يعيشه المعلمون في مدارس الضفة بأنه "معقّد وصعب"، في ظل ضغوط مالية خانقة تتجسد في نقص الرواتب وتراكم الديون والتزامات الحياة اليومية.
وأشار في حديثه لـ"وكالة سند للأنباء" إلى أن الدوام المحدود لثلاثة أيام أسبوعيًا لا يسمح للمعلمين أو الطلبة بتحقيق الأهداف التعليمية المطلوبة، ما دفع الكثير من المعلمين إلى مواصلة الإضراب كوسيلة للاحتجاج على الظروف المعيشية الصعبة وغياب الدعم الكافي لهم.
وشدد الناشط على ضرورة تحسين العلاقة بين الحكومة والمعلمين عبر بناء الثقة والشفافية، وتوزيع الأعباء المالية بشكل أكثر عدالة.
ورأى أن رفع الحد الأدنى للرواتب وتعزيز الحوار الجاد مع المعلمين يمثلان مدخلًا أساسيًا لضمان مستقبل تعليمي أفضل.
من جانبه، اعتبر المحامي غاندي ربعي، المختص في قضايا المعلمين، أن قرار إيقاف مجموعة من المعلمين كان تعسفيًا، مؤكدًا أن مطالبهم واضحة وبسيطة وتتعلق بالحصول على الحد الأدنى من حقوقهم.
وأوضح ربعي لـ "وكالة سند للأنباء " أن الحق بالاحتجاج مكفول قانونيًا، والراتب حق يجب إيفاؤه للموظف، والحل يكمن في الحوار المباشر مع المعلمين.
وأضاف أن قرار الوقف عن العمل جاء ضمن إجراءات التحقيق، لكنه شدد على أن المطالبة بحق أساسي مثل الراتب لا تستدعي إيقاف العمل أو التحقيق، خصوصًا في ظل ظروف استثنائية تواجه المعلمين، حيث يجب ألا يُستخدم القانون بطريقة تعسفية.
تحذير من انهيار المنظومة التعليمية
وقد حذر حراك المعلّمين الموحّد في بيانٍ صدر عنه أمس الثلاثاء من أن النظام التعليمي يسير نحو انهيار حقيقي في ظل ما وصفه بتمادي الحكومة في "سياسة القمع والعقوبات"، بدل معالجة المطالب العادلة للمعلمين.
وأكد الحراك أن الإجراءات الحكومية الأخيرة تركت أثرًا واضحًا على سير العملية التعليمية واستقرار المدارس.
وأوضح أن العقوبات الإدارية والمالية طالت مئات المعلّمين، بمن فيهم من لم يشاركوا في الإضرابات، معتبرًا ما يحدث "نهجًا عقابيًا ممنهجًا" يستهدف ردع الجسم التعليمي وكسر الحركة النقابية.
كما انتقد ما وصفه بـ"صمت اتحاد المعلّمين" وانحيازه لموقف الحكومة على حساب حقوق المعلمين ومستقبل الطلبة.
وأكد أنّ فعالياته ستستمر حتى تحقيق المطالب، وعلى رأسها صرف الرواتب كاملة دون اقتطاعات، وتحديد جدول زمني لتسديد المستحقات المتراكمة، واستثناء قطاع التعليم من تبعات الأزمة المالية، واعتماد علاوة بنسبة 10% بدءًا من يناير/ كانون ثاني المقبل، إلى جانب التأكيد على ضرورة أن يكون وزير التربية هو المخوّل بنقل المطالب والرد عليها رسميًا.
رد الإتحاد والحكومة..
بينما صرّح مؤخرًا وزير التربية والتعليم العالي أمجد برهم، أنّ الحكومة تصرف حاليًا 60% من الرواتب بسبب شح الموارد، مما اضطرها لتقليص الدوام إلى ثلاثة أيام أسبوعيًا لتخفيف الأعباء على المعلمين.
وأوضح برهم أن خيارات تعويض الفاقد التعليمي وزيادة أيام الدوام وتقليص العطلة الصيفية مطروحة قيد النقاش مع الاتحاد لتقليل أثر الأزمة على الطلبة.
من جهته، أكد أمين سر اتحاد المعلمين، سائد أرزيقات، أن دور الاتحاد حاليًا يقتصر على "إدارة الأزمة وليس حلها"، موضحًا أن الحل الجذري مرتبط بتحسن الوضع المالي.
ورأى أنّ "الإضرابات المحدودة أداة ضغط للحفاظ على الحقوق وليست هدفًا في حد ذاتها، وإذا أصبحت الرواتب 70% ومبلغ 3500 شيقل كحد أدنى، سنطلب مباشرة الدوام الكامل".
