في غزة، لم تعد الأعياد تُقاس بعدد الألعاب الجديدة، ولا بامتلاء الأسواق، ولا بأصوات الزيارات العائلية الممتدة حتى المساء.
كل شيء تغيّر بعد حرب الإبادة؛ البيوت، الشوارع، الوجوه، وحتى المعاني الصغيرة التي اعتاد الأطفال أن يربطوها بالفرح.
هنا، داخل الخيام ومراكز النزوح، يحاول الآباء والأمهات اختراع لغة جديدة تشرح لأطفالهم معنى العيد وسط القصف والفقد والجوع.
لغة لا تتحدث كثيراً عن الملابس والهدايا، بل عن النجاة، وعن البقاء معاً ليوم إضافي، وعن القدرة على الابتسام رغم الخراب، ففي غزة اليوم، صار العيد محاولة جماعية لإنقاذ ما تبقى من الطفولة.
العيد هو أن نتمسك بالحياة
كثير من الأهالي باتوا يشرحون العيد لأطفالهم باعتباره فكرة للتمسك بالحياة، لا مناسبة مكتملة كما عرفتها الأجيال السابقة.
تقول عائشة الجاورشة (40 عاما)، لطفلتها إن "العيد يعني أن الله ما زال يمنحنا فرصة لنفرح ولو قليلاً"، بينما يشرح الأب لابنه أن التكبيرات والدعاء وتقاسم الطعام مع الآخرين هي أيضاً من مظاهر العيد، حتى لو غابت الملابس الجديدة والألعاب.
وفي الخيام، تتكرر عبارات مثل: "العيد الحقيقي أن نبقى معاً"، أو "حين تنتهي الحرب سنعيد كل شيء أجمل"، في محاولة لتخفيف قسوة الواقع وحماية الأطفال من الشعور بأن الحرب سرقت كل شيء.
ويحاول كثير من الآباء والأمهات ربط قيمة العيد بالمحبة والرحمة والتكافل، لا بالقدرة المادية، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي والإنساني الذي يعيشه القطاع.
"لبستهم اللي قدرت عليه، وخبيت دموعي "تقول أمينة الدحدوح، وهي نازحة من شرق مدينة غزة وتقيم داخل خيمة".
وتضيف خلال حديثها لـ"وكالة سند للأنباء"،" ابني سألني قبل العيد: ماما هل سنعيش أجواء العيد هذا العام؟ لم أعرف كيف أجيب، غسلنا الملابس القديمة وعلقتها أمام الخيمة كأنها جديدة، وصنعت لهم قليلاً من كعك التمر بيدي، أحاول أن أكون سعيدة حتى لا يشعروا أن الحرب أخذت منا حتى العيد".
وتتابع بصوت متعب: "أصعب شيء ليس غياب العيدية أو الملابس، بل أن تحاول إقناع طفلك بأن الفرح ما زال ممكناً وسط كل هذا الحزن".
إعادة تعريف الأشياء..
ومع شح الموارد وارتفاع الأسعار، أعاد الأهالي تعريف كل تفاصيل العيد تقريباً، فالعيدية قد تكون قطعة حلوى بسيطة يتشاركها الأطفال داخل الخيمة، بينما غابت "الشواكل" التي كانت تصنع السعادة، وتحوّلت بقايا الكرتون والخردة إلى ألعاب بديلة يصنعها الآباء والمتطوعون للأطفال.
ويصرّ كثير من الأهالي على تزيين الخيام بحبال ورقية وأقمشة ملونة، في محاولة لخلق إحساس بصري لدى الأطفال بأن هذا اليوم مختلف عن بقية أيام الحرب.
وفي بعض مراكز الإيواء، تنشط مبادرات شبابية لتنظيم فعاليات دعم نفسي، تتضمن الرسم على الوجوه، وأغاني العيد، والعروض الترفيهية، بهدف تفريغ جزء من الضغط النفسي المتراكم لدى الأطفال.
أما فاطمة السويسي، التي فقدت منزلها في شرق غزة، فتقول إن الحرب غيّرت حتى علاقة الأطفال بأصوات العيد: "ابنتي الصغيرة أصبحت تخاف من الأصوات المرتفعة، صباح عيد الفطر، عندما سمعت التكبيرات، ظنت أنه قصف، وبدأت تبكي وترتجف".
وتتابع خلال حديثها لـ"وكالة سند للأنباء":احتضنتها وقلت لها إن هذه ليست أصوات حرب، بل أصوات الناس الذين يحاولون أن يفرحوا رغم كل شيء، منذ ذلك الوقت أحاول أن أشرح لها العيد بهدوء شديد".
صدمة مركبة
من جهتها، توضح الأخصائية النفسية هناء أبو عودة، أن الأطفال في غزة يعيشون صدمة مركبة نتيجة استمرار الحرب وفقدان الأمان ومظاهر الحياة الطبيعية، بما فيها الأعياد.
وتقول لـ "وكالة سند للأنباء": "الأهل اليوم لا يشرحون العيد بمعناه التقليدي، بل يستخدمونه كأداة للترميم النفسي، هم يحاولون حماية أطفالهم من الانهيار الداخلي عبر خلق معنى بديل للفرح قائم على الأمان العاطفي والاحتواء".
وتضيف: "حين يقول الأب لطفله إن العيد هو أن نبقى معاً، فهو لا يبالغ، بل يعيد بناء مفهوم الأمان لدى الطفل، هذه اللغة أصبحت وسيلة دفاع نفسي جماعية داخل غزة".
