يُثير استبعاد وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" عن الاجتماعات التنسيقية لـ "ترتيبات اليوم التالي" في قطاع غزة تساؤلاتٍ ملحّة حول المستقبل السياسي والخدمي للوكالة الأممية التي شكّلت على عقود العمود الفقري لحياة اللاجئين عبر تقديم خدمات التعليم والصحة والإغاثة وشاهداً قانونياً على قضيتهم.
ففي وقتٍ تُطرح فيه خطط التعافي وإعادة إعمار قطاع غزة بمشاركة مؤسسات أممية ودولية متعددة، يُسلّط هذا التغييبُ الضوءَ على خشيةٍ حقيقية من مسارٍ متدرج لتهميش الأونروا ونقل صلاحياتها، بما يتماشى مع الضغوط الإسرائيلية لتصفية وجودها وفصل خدماتها عن مضمونها السياسي والتحفظ على حقوق اللاجئين.
وكان لافتاً غياب ممثلي الوكالة عن اجتماع اللجنة الوطنية لإدارة غزة، المخصص لـ "مواءمة استراتيجية الأمم المتحدة للتعافي المبكر مع برنامج اللجنة لتعافي غزة، وتحديد التدخلات ذات الأولوية وآليات العمل المشترك في ملفات الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار".
وترأس الجلسة العامة نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية "السلام في الشرق الأوسط" والمنسق المقيم راميز الأكبروف، إلى جانب المفوض العام للجنة الوطنية لإدارة غزة علي عبد الحميد شعث.
وشهد الاجتماع حضوراً واسعاً لمؤسسات دولية، شملت: برنامج الأغذية العالمي، اليونيسف، منظمة الصحة العالمية، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، المنظمة الدولية للهجرة، مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع، إضافة إلى مكتب الممثل الأعلى لـ "مجلس السلام"، ومعهد "توني بلير" للتغيير العالمي، ومفوضي اللجنة الوطنية.
وترسّخ هذا الاستثناء تخوفات جديّة بشأن موقع الوكالة في خطط المرحلة المقبلة، خاصة مع تصريحات سابقة أطلقها "مجلس السلام" عبر صفحته أكد فيها ألا وجود لـ "أونروا" في ظل عمل المجلس بغزة؛ ما يطرح تساؤلات عما إذا كان هذا الإجراء تنظيماً مؤقتاً أم مؤشراً لتوجه يهدف لتقليص دور الوكالة أو إلغائه وتوزيع مهامها على جهات أخرى.
تحذيرات من تفكيك الاختصاصات
ويأتي هذا التهميش في وقتٍ طالما شكلت فيه "أونروا" شريان الحياة الأساسي في غزة؛ إذ كانت الوكالة قبل اندلاع الحرب تدير نحو 288 مدرسة تقدم التعليم لأكثر من 300 ألف طالب وطالبة عبر كادر تعليمي يتجاوز 10 آلاف موظف، إلى جانب تشغيلها 22 مركزاً صحياً للرعاية الأولية كانت تخدم أكثر من 2.2 مليون نسمة.
كما كانت تُعد أكبر مشغّل أممي في القطاع بكادر يناهز 13 ألف موظف، وتعتمد على سلالها الإغاثية ومساعداتها الطارئة أكثر من 80% من العائلات.
وبالرغم من مكانتها التاريخية تعرضت الوكالة الأممية لحملات "شيطنة" ودعاية إسرائيلية مكثفة خلال سنوات الحرب هدفت إلى نزع الشرعية عنها وتجفيف منابع تمويلها الدولي.
وجاء هذا التجييش السياسي بالتوازي مع استهداف طال بنيتها التحتية وكوادرها؛ إذ خرجت عشرات المدارس والمراكز الصحية التابعة لها عن الخدمة جراء القصف والمحاصرة، واستُشهد المئات من موظفيها الأمميين والمحليين أثناء تأدية واجبهم الإنساني.
ورغم هذا الضغط المركّب، ظلت مقرات وملاجئ الوكالة الملاذ الأخيرة والمجرد لنحو 1.9 مليون نازح في قطاع غزة.
وفي هذا السياق حذر رئيس اللجان الشعبية للاجئين في قطاع غزة، مازن الشيخ، من خطورة الاستبعاد الأخير، مشيرًا إلى أن استثناء "أونروا" من اجتماع يناقش ملفات الإغاثة والصحة والتنمية وإعادة الإعمار بوجود المؤسسات الأممية الأخرى، يثير مخاوف حقيقية حول الترتيبات القادمة.
ويؤكد الشيخ في حديثٍ لـ "وكالة سند للأنباء"، أن "أونروا" ليست مجرد مؤسسة إغاثية عابرة يمكن استبدالها بسهولة، بل تمتلك شبكة ممتدة من المدارس والمراكز الصحية والكوادر المتخصصة المرتبطة بحياة مئات آلاف اللاجئين.
ويضيف أن تزامن هذا التغييب مع مواقف "مجلس السلام" يستدعي موقفاً فلسطينياً ودولياً حازماً، مشددًا أن أي محاولة لنقل مهام الوكالة تدريجياً أو تفكيك اختصاصاتها ستكون لها تداعيات إنسانية وسياسية خطيرة.
ويدعو الشيخ الأمم المتحدة والدول المانحة إلى حماية التفويض الممنوح لـ "أونروا"، لافتًا إلى أن قضية الوكالة ترتبط بشكل مباشر بالحقوق السياسية والقانونية للاجئين الفلسطينيين.
وحذر في ختام حديثه، من اتخاذ ملف إعادة الإعمار مدخلاً لإعادة هندسة المؤسسات التي ترعى حقوق اللاجئين الفلسطينيين.
تصفية متدرجة وفصل عن الإطار السياسي
وفي السياق ذاته، ينبه مدير "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين"، علي هويدي، إلى وجود مخطط متصاعد لتصفية الوكالة عبر آليات متدرجة.
ويقول هويدي لـ "وكالة سند للأنباء" إن المؤشرات المتراكمة تُظهر وجود خطة دولية لتمرير إنهاء دور الأونروا عبر تحجيم حضورها أولاً، ثم نقل قطاعات من اختصاصاتها إلى مؤسسات أممية ودولية أخرى، لفرض واقع جديد يُخرج الوكالة نهائياً من قطاع غزة.
ويوضح أن الخطورة لا تكمن في غياب ممثل عن اجتماع واحد، بل في مسار متكامل يهدف إلى توزيع وظائف الوكالة، وبالتالي فصل الخدمات المقدمة للاجئين عن إطارها السياسي والقانوني الذي أُنشئت الأونروا لأجله كشاهد دولي على قضية اللجوء حتى التوصل إلى حل عادل وفق القرارات الدولية.
ويدعو هويدي القيادة الفلسطينية والدول العربية والمضيفة والمانحين إلى التحرك المبكر لوقف أي محاولات لفرض أمر واقع جديد، مؤكداً ضرورة بقاء "أونروا" صاحبة الدور الأساسي في تقديم خدمات التعليم والصحة والإغاثة.
وحذر من أن الصمت تجاه تقليص الدور اليوم سينتهي بإخراج الوكالة كلياً من المشهد غداً.
شطب للبنية المؤسساتية والتعليمية
من جهته، يعتبر رئيس لجنة أولياء الأمور في مدارس "أونروا" بقطاع غزة، زاهر البنا، أن استبعاد الوكالة من اجتماع يخص التعافي وإعادة الإعمار، يمثل مؤشراً مقلقاً يتجاهل بنيتها التحتية وخبرتها الميدانية العميقة.
ويؤكد البنا في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" أن القفز عن البنية المؤسساتية لـ "أونروا" التي تضم المدارس والمراكز الصحية والمنشآت الإغاثية والكوادر البشرية، يهدد بإحداث فراغ هائل.
ويشير إلى أن قطاع التعليم سيكون الأكثر تضرراً في حال نقل المسؤوليات لجهات أخرى، نظراً لارتباط أعداد غفيرة من الطلبة بها وآلاف العاملين في الكادر التعليمي.
ويرى البنا، أنّ عملية إعادة إعمار غزة يجب ألا تحور لتصبح بوابة لتصفية المؤسسات الضامنة لحقوق اللاجئين، مطالباً بضرورة تثبيت حضور الأونروا في كافة خطط التعافي وتوفير الدعم اللازم لها بدلاً من تفكيكها.
