في كل مرة يخرج فيها محمد مرضي من منزله، لا يشعر أنه ذاهب لإنجاز مهمة عادية، بل يخوض سباقًا مضنيًا مع الوقت من أجل حياة شخصين هما الأقرب إلى قلبه، والده الذي يعاني لسنوات من مرض الربو، وشقيقه الأصغر المولود بتشوّه خِلقي يحتاج إلى دعم تنفسي مستمر.
فلم تعد أسطوانة الأكسجين بالنسبة لمحمد مجرد قطعة معدنية أو أداة طبية يمكن الاستغناء عنها، بل تحولت إلى "خيط حياة" وأمان مؤقت يخشى انقطاعه في أي لحظة.
وحين تقطعت به السبل وسط شح الإمكانات وانقطاع الإمدادات، اضطر في إحدى المراحل للنزوح بوالده وشقيقه نحو جنوب قطاع غزة، ليس هربًا من جحيم القصف وحده، بل بحثًا عن فرصة تنفس ومصدر أكسجين.
ومع عودتهم إلى شمال القطاع، استمرت رحلته اليومية المضنية والشاقة؛ متنقلًا بين المستشفيات ومراكز التعبئة، ومحاصرًا بهاجس دائم: هل سيجد الأوكسجين قبل أن يختنق والده أو شقيقه؟
يقول محمد لـ "وكالة سند للأنباء"، إن أبسط التفاصيل قد تتحول في منزله إلى كارثة؛ فحتى أزمة غاز الطهي واضطرارهم لإشعال الحطب تفرز دخانًا يثير نوبة ربو حادة، لتبدأ الفزعة الفورية بحثًا عن الأسطوانة.
وفي إحدى المرات، وقف في المستشفى على أعصابه يترقب وينتظر، يخشى أكثر ما يخشى سماع الجملة التي ترعبه: "لا يوجد أكسجين".
كواليس الضغط الطبي في الميدان
هذه المعاناة الفردية التي يرويها "محمد" تجسد واقعًا جماعيًا كارثيًا يعيشه القطاع الصحي، حيث بات الأكسجين يُعامل كـ "سلعة نادرة".
وفي هذا السياق، يحذّر المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، خليل الدقران، من خطورة الأزمة المتفاقمة في إمدادات الأوكسجين داخل مستشفيات قطاع غزة، مؤكدًا أن الطواقم الطبية باتت تتعامل مع الأكسجين باعتباره "سلعة نادرة"، في ظل نقص المعدات وتعطل محطات التعبئة وشح الوقود والزيوت اللازمة لتشغيل المولدات.
ويوضح الدقران لـ "وكالة سند للأنباء" أن الحاجة إلى الأوكسجين لا تقتصر على الحالات الاعتيادية داخل المستشفيات، مضيفًا أن وقوع أي مجزرة أو وصول أعداد كبيرة من المصابين بحالات اختناق قد يرفع الطلب بصورة مفاجئة إلى مستويات تفوق قدرة المحطات المتاحة على الإنتاج والتعبئة.
ويشير إلى أنّ بعض الحالات تحتاج إلى جرعات كبيرة ومتواصلة من الأوكسجين، فيما تحتاج المستشفيات إلى أكثر من محطة لضمان استمرار الخدمة، خصوصًا في أقسام العناية المكثفة وعناية الأطفال والطوارئ والعمليات.
ويردف أنّ المشكلة لا تتعلق فقط بتوفر الأوكسجين، وإنما بقدرة المحطات نفسها على العمل والاستمرار في ظل الظروف الحالية، مؤكدا أن توقف المولدات الكهربائية أو نقص الزيوت وقطع الغيار والمعدات اللازمة للصيانة يضع الطواقم الطبية أمام خطر مباشر.
ويستطرد: "نعمل على أعصابنا، لأن توقف محطة تعبئة الأوكسجين لا يعني توقف خدمة عادية، وإنما يعني الموت، ونبدأ حينها بإحصاء الوفيات".
ويبيّن الدقران أن أي خلل في إمدادات الأوكسجين ينعكس بصورة مباشرة على المرضى في العناية المكثفة، والأطفال الذين يحتاجون إلى دعم تنفسي، والجرحى والمصابين، فضلًا عن المرضى الذين يعتمدون على الأوكسجين بصورة مستمرة.
ويشدد على أن مواجهة أحداث ميدانية توقع إصابات واسعة تجعل تأمين الأوكسجين لجميع الحالات تحديًا بالغ الصعوبة يهدد حياة أعداد من المرضى خلال وقت قصير.
كارثة وشيكة.. الأرقام الرسمية وانهيار المنظومة
من جانبه يحذّر مدير عام وزارة الصحة في قطاع غزة، الدكتور منير البرش، من وصول أزمة الأكسجين الطبي في مستشفيات القطاع إلى مرحلة شديدة الخطورة، مؤكدًا أن أي عطل جديد في المحطات القليلة المتبقية قد يقطع الأكسجين عن المرضى ويؤدي إلى وفيات مباشرة بين الحالات الحرجة.
ويوضح البرش لـ "وكالة سند للأنباء" أن المنظومة الصحية في قطاع غزة كانت تعتمد على نحو 34 محطة لإنتاج الأكسجين، فيما لم يتبقَّ حاليًا سوى 12 محطة تعمل، بعد خروج 22 محطة عن الخدمة بفعل التدمير والأعطال ونقص الإمكانات اللازمة للصيانة.
وتتطابق هذه الأرقام مع أحدث بيانات وزارة الصحة التي أكدت أن المحطات المتبقية تعمل في ظروف فنية وميكانيكية بالغة التعقيد وفوق طاقتها التشغيلية.
ويشدد البرش، أن الأكسجين ليس مادة طبية يمكن تأجيل استخدامها أو تعويضها في وقت لاحق، وإنما يمثل شريان حياة لأقسام العناية المركزة والعمليات والطوارئ وحضانات الأطفال والخدج، إضافة إلى المرضى المصابين بأمراض تنفسية.
ويضيف أن الوضع لم يعد يحتمل خروج محطة إضافية عن الخدمة، محذرًا من أن أي عطل جديد قد يعني انقطاع الأكسجين عن مرضى يعتمدون عليه للبقاء على قيد الحياة.
ويشير إلى تحذيرات سابقة بأن تعطل الإمدادات يعني حتمية الموت لبعض المرضى، داعيًا إلى إدخال محطات إضافية بصورة عاجلة.
وبحسب معطيات وزارة الصحة، فإن الأزمة لا تقتصر على محطات الإنتاج، إذ لم يتبقَّ سوى 4 أجهزة لتعبئة أسطوانات الأكسجين من أصل 30 جهازًا كانت متوفرة، وهي أجهزة مهددة بالتوقف في أي لحظة مع عجز الطواقم الهندسية عن تنفيذ أعمال الصيانة الطارئة ونقص قطع الغيار والمستلزمات الفنية.
ويلفت البرش إلى أن خطورة بقاء أربعة أجهزة تعبئة فقط تكمن في أن أي تعطل بأحدها يزيد الضغط بصورة كبيرة على الأجهزة الثلاثة المتبقية ويهدد قدرة المستشفيات على توفير الأسطوانات للأقسام والمرضى.
