في البلدة القديمة بالخليل، لا تُعرض عناقيد العنب للبيع فقط؛ بل يحمل كل عنقود حكاية أرض يتمسك بها أصحابها، وموسماً يثبت فيه المزارعون حضورهم في مدينة تتعرض لضغوط الاحتلال والاستيطان.
لم يكن المشهد، بالنسبة لأهالي الخليل، مجرد مهرجان زراعي عابر؛ فالازدحام الذي شهدته البلدة القديمة أعاد الحياة إلى أسواقها، ووضع المنتج الزراعي الفلسطيني في قلب المدينة، في محاولة للحفاظ على الحركة الاقتصادية والاجتماعية في مكان يسعى الاحتلال إلى التضييق على أهله وتفريغه من حيويته.
تقول آلاء زلوم، رئيسة المنتدى العام للروابط والعلاقات العامة في الخليل، لـ"وكالة سند للأنباء"، إن ما شهدته البلدة القديمة "ليس مهرجاناً" بالمعنى التقليدي، بل حدثاً لافتاً أعاد إلى المكان حشده وحركته بعد سنوات من الغياب.
وتضيف زلوم أن البلدة القديمة شهدت للمرة الأولى منذ سنوات هذا الاكتظاظ، حتى إنها لم ترَ مشهداً مماثلاً خلال شهر رمضان، معتبرة أن حضور الناس بهذا الحجم يؤكد تمسكهم بالمكان.
وتقول إن المشهد يثبت أن "هذه الأرض لنا، وهذا المكان لنا، وهذا العنب لنا"، مشيرة إلى أن المهرجان يحمل في جانب منه تأكيداً على الوجود والهوية والتراث.
وترى زلوم أن هذا الحضور الكثيف يحمل رسالة واضحة، مفادها أن أهالي الخليل لن يتخلوا عن مدينتهم وتراثها، وأن المؤسسات والمجتمع المحلي قادرون على إعادة الحركة إلى المكان.
وتوجهت بالشكر إلى بلدية الخليل والغرفة التجارية ومحافظة الخليل والمؤسسات المشاركة، لما تبذله من جهود، وفق قولها، في تثبيت المواطنين في أرضهم وتنشيط الحياة في المدينة.
موسم للمزارع
بالنسبة للمزارعين، لا تنفصل فرحة الموسم عن الحاجة إلى سوق يحمي تعبهم ويضمن استمرارهم في الزراعة.
ويقول المزارع جواد سعيد لـ"وكالة سند للأنباء"، إن الأمل أن يسهم المهرجان في دعم المزارع الفلسطيني وتعزيز حضور المنتج المحلي.
ويطالب سعيد وزارة الزراعة والجهات الاقتصادية بتقليل الاستيراد، موضحاً أن المنتجات المستوردة تؤثر في قدرة المزارعين على تسويق محاصيلهم، بينما يحتاج العنب الفلسطيني إلى حماية أكبر في السوق.
ويشير إلى أن الزراعة في الخليل تواجه ظروفاً صعبة، قائلاً إن جزءاً كبيراً من القطاع الزراعي يوجد في مناطق متأثرة بالجدار وإجراءات الاحتلال، ما يزيد الأعباء على المزارعين.
ويرى أن دعم البلديات ووزارة الزراعة والمؤسسات المختلفة مهم، لكنه لا يغني عن سياسات تحمي المنتج المحلي وتمنح المزارع قدرة أكبر على الاستمرار.
عودة بعد عامين
يحمل المهرجان هذا العام أيضاً معنى العودة، بعدما توقفت فعاليات العنب لمدة عامين نتيجة الظروف الصعبة التي شهدتها الأراضي الفلسطينية.
ويقول سعيد إن فعاليات العنب كانت تُنظم في مناطق مختلفة، بينها حلحول وشمال المحافظة والبلدة القديمة، قبل أن تتوقف خلال العامين الماضيين.
ويضيف أن المزارعين يأملون في عودة قوية للفعاليات، بما يعيد تنشيط السوق ويمنح المنتج الفلسطيني مساحة أوسع للوصول إلى المستهلك.
فالعودة إلى البلدة القديمة ليست مجرد استئناف لمناسبة موسمية؛ إنها إعادة فتح لمساحة من الحياة الاقتصادية والاجتماعية في قلب مدينة تواجه منذ سنوات إجراءات إسرائيلية تقيد الحركة وتؤثر في حياة سكانها.
عاصمة العنب
ويرتبط العنب بالخليل ارتباطاً وثيقاً، إذ تعد المحافظة من أبرز مناطق زراعته في فلسطين، وتضم مساحات واسعة من كروم العنب التي يعتمد عليها آلاف المزارعين والأسر.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الزراعة إلى أن مساحة الأراضي المزروعة بالعنب في فلسطين تبلغ نحو 29 ألف دونم، تستحوذ محافظة الخليل على أكثر من 12 ألف دونم منها.
ولا يقتصر حضور العنب على ثماره الطازجة، إذ يدخل في صناعة منتجات تراثية متعددة، بينها الدبس والزبيب والملبن والعنبية وورق العنب، ما يجعل الموسم جزءاً من الاقتصاد الريفي والذاكرة الغذائية والاجتماعية للمدينة.
لكن زراعة العنب في الخليل لا تجري بعيداً عن واقع الأرض الفلسطينية، فالمزارع لا يواجه تحديات السوق والإنتاج وحدها، بل يعمل في بيئة تتداخل فيها قيود الاحتلال على الحركة والوصول إلى الأراضي مع اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني.
