رغم انطلاق مرحلة استقبال طلبات ترشح القوائم للانتخابات التشريعية 2026 بالتزامن في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتأكيد جهات فلسطينية رسمية المضي قدمًا في إجرائها بموعدها المقرر، لا تزال الشكوك قائمة في الأفق بشأن حسم قرار الإجراء أو التأجيل.
ويرى مختصون أن تعقيدات المشهد الفلسطيني الداخلي والتدخلات الخارجية، وأبرزها الموقف الإسرائيلي، ترجح خيار التأجيل والدعوة لحوار وطني للتوافق على موعد آخر وسط عقبات إسرائيلية متوقعة، بينما يعتقد آخرون أن الحديث عن الحوار يأتي لتبرير التأجيل.
ترجيح التأجيل ومخاوف انهيار النظام السياسي
يوضح مدير عام المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية "مسارات"، هاني المصري، أن المشهد يبدو أقرب إلى تأجيل الانتخابات التشريعية، مشيرًا إلى أن بيان اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير لم يؤكد بوضوح الالتزام بموعد إجرائها، بل ربط المسألة بالحوار الوطني وإزالة العقبات.
ويعتبر المصري في حوارٍ مع "وكالة سند للأنباء" أن الحوار الوطني يمكن أن يشكل مبررًا للتأجيل شريطة أن يقود إلى اتفاق وطني وتحديد موعد جديد للانتخابات، وليس إلى تأجيل مفتوح من دون موعد أو اتفاق.
ويحذر من أن التأجيل المفتوح سيؤدي إلى مزيد من التدهور في النظام السياسي الفلسطيني واستمرار غياب الشرعيات.
ويقول إنّ الحوار الشامل يعد ضرورة ملحة لمعالجة الأزمة المتراكمة، مشددًا على ضرورة ألا يقتصر الحوار الوطني على الفصائل الفلسطينية وحدها، بل أن يشمل مختلف القوى والشخصيات الوطنية وممثلي المجتمع المدني والقطاع الخاص للوصول إلى نتائج تعبر بحق عن طموحات الشعب الفلسطيني وآماله في التغيير.
وفي الشأن الداخلي، يشير المصري إلى وجود أسباب وأطراف فلسطينية تدفع باتجاه التأجيل بسبب مخاوف تتعلق بنتائج الانتخابات وازدحام القوائم الفتحاوية بالقوائم المنافسة.
ويلفت إلى أن بعض الأطراف تصورت إمكانية هندسة العملية الانتخابية والتحكم بنتائجها مسبقًا، إلا أن تعدد القوائم والتحالفات قد يربك هذه الحسابات الحزبية ويعزز احتمالات التأجيل.
وفيما يتعلق بالموقف الدولي، يوضح المصري أن الإدارة الأمريكية لم تصدر أي موقف واضح بشأن الانتخابات التشريعية رغم طلب السلطة الفلسطينية ذلك، قائلًا إن وجود قرار دولي دون موقف أمريكي مشجّع يظل غير كافٍ في ظل النفوذ الأمريكي المؤثر.
ويبيّن أن "إسرائيل" ستعمل على منع إجراء الانتخابات في قطاع غزة والقدس في ظل استمرار الاحتلال وسيطرته على أجزاء واسعة والمساعي الإسرائيلية المستمرة لنزع سلاح المقاومة.
ويتابع مؤكدًا أن عرقلة الانتخابات ستحدث سواء شاركت "حماس" بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأنها قد تؤدي إلى قيام شرعية فلسطينية منتخبة ووحدة سياسية بين الضفة والقطاع، وهو ما يتعارض جذريًا مع توجهات الحكومة الإسرائيلية الرامية لتقويض إمكانية قيام الدولة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، يشدد على ضرورة التوافق الوطني لتقليل تأثير الاحتلال دون انتظار زوال تأثيره بالكامل، باعتبار أن الفلسطينيين لا يعيشون في دولة مستقلة تضمن سيادتهم الكاملة على مجريات العملية الديمقراطية.
تقاطع المصالح والضغوط الدولية
من جانبه، يوضح الخبير في الشأن الإسرائيلي، عادل شديد، أن إسرائيل تتعامل مع الانتخابات من منطلقين أساسيين؛ مبدأ الموافقة عليها، وتفاصيلها وتوقيتها وشروطها.
ويشير شديد لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن "إسرائيل" تتجنب إعلان معارضتها علنًا للانتخابات حتى لا تظهر أمام المجتمع الدولي كمعطل للديمقراطية، بينما يهمها بالدرجة الأولى أن يظل قرار الإجراء بيدها بما ينسجم مع مصالحها الأمنية والسياسية المتغيرة عما كانت عليه قبل 30 عامًا، ومع مساعي تفكيك السلطة الفلسطينية والجغرافيا السياسية والذهاب نحو حلول محلية كالبلديات والنواحي.
ويتحدث عن وجود تناقض سياسي حاد بين الضغوط الأوروبية والفرنسية الداعية للانتخابات كجزء من حزم الإصلاحات والحوكمة وإدارة الشأن العام، وبين المصلحة الإسرائيلية غير المعنية إطلاقًا بإجراء انتخابات عامة وشاملة.
ومع ذلك، يرجح شديد أن الإسرائيلي لن يكون أمام سوى القبول في حال قبلت الإدارة الأمريكية صيغة التوافقات الأوروبية الأمريكية، رغم ميله لترجيح كفة الإلغاء حاليًا بفعل التعقيدات الميدانية والسياسية الداخلية وموازين القوى الراهنة.
تمسك مسار الانتخابات ورفض ذريعة التأجيل
في المقابل، يؤكد مدير مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات، عارف جفال، أن العملية الانتخابية مستمرة بخطى ثابتة لقطعها شوطًا مهمًا بانتقالها من مرحلة تسجيل الناخبين إلى مرحلة الترشح، رغم جميع الأصوات المطالبة بالتأجيل.
ويشير إلى أنه لم يطرأ أي تغيير جوهري أو طارئ على الظروف الميدانية منذ صدور مرسوم الانتخابات، معتبرًا أن الشعب الفلسطيني المحروم من ممارسة حقوقه الديمقراطية لنحو 20 عامًا بات بحاجة ملحة لاستعادة ثقة المواطنين وتعزيز الشرعية السياسية والوطنية المفقودة.
ويرفض جفال بشدة استخدام الحوار الوطني ذريعة لتأجيل الانتخابات أو إلغائها، متسائلاً عن أسباب غياب هذا الحوار طوال السنوات الماضية وعدم إجرائه في الظروف السابقة؟
وينبّه إلى أن مخاوف النتائج الحزبية أو الخشية من عدم تجاوز نسب الحسم لا ينبغي أن تُدار بها الدولة أو يُعطل بسببها الشأن العام الفلسطيني.
ويؤكد أن تحديد عوائق القدس أو التعامل مع التحديات الجغرافية هو اختصاص حصري للجنة الانتخابات المركزية، مشيرًا إلى أن اللجنة لم تسجل عوائق حقيقية تحول دون إجرائها بل طرحت بدائل عملية لصناديق الاقتراع لتمكين المقدسيين من المشاركة.
ويشدد جفال أن الالتزامات والتعهدات التي قدمتها القيادة الفلسطينية للمجتمع الدولي توجب المضي قدماً في العملية الانتخابية، معتبرًا أن المعوّقات المثار إثارتها حاليًا لا ترقى لكونها مبررًا كافيًا لتأجيل الاستحقاق الديمقراطي.
