الساعة 00:00 م
الخميس 29 أكتوبر 2026
22° القدس
19° رام الله
20° الخليل
26° غزة
4.16 جنيه إسترليني
4.4 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.49 يورو
3.12 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

حكومة وحدة أم انتخابات جديدة؟ 4 سيناريوهات تحكم مستقبل حكومة الاحتلال

متابعة خاصة من قلب الركام.. نازحو غزة يروّضون الرياح لانتزاع الضوء من العتمة

حجم الخط
طاحونة هواء
غزة - وكالة سند للأنباء

تحت جبين السماء في قطاع غزة تتراكم آثار الدمار وتتقلص الخيارات أمام العائلات التي فقدت منازلها، فلا يبدأ البحث عن الكهرباء من مقبس حائط أو شبكة عامة، بل من بين قطع الخشب والمعادن ومخلفات الأبنية المهدمة.

هنا، يحاول النازحون في مواصي خانيونس جنوب قطاع غزة، إعادة توظيف ما خلّفته الحرب، وتحويل بعض أنقاض منازلهم إلى أدوات تساعدهم على مواصلة تفاصيل يومهم، في مواجهة واقع يفرض عليهم ابتكار حلول بدائية لاحتياجات أساسية، لعلّها تمنحهم كهرباء تكفي لإضاءة خيامهم وشحن هواتفهم وبطارياتهم، بعدما غابت عن حياتهم أبسط مقومات الطاقة.

وبعد سنوات من النزوح منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أصبحت هذه المحاولات جزءًا من سعي العائلات إلى التكيف مع الحياة داخل الخيام؛ حيث تتداخل أزمات المأوى والمياه والاتصالات مع غياب الكهرباء، لتتحول مهمة شحن هاتف أو توفير إنارة ليلية إلى عبء إضافي في يوم النازح.

ولا توفر الطواحين الهوائية المصنوعة بإمكانات محدودة بديلًا مستقرًا عن شبكة الكهرباء، كما لا تستطيع تلبية الاحتياجات المنزلية كافة، لكنها تمنح أصحابها فرصة للاستفادة من حركة الرياح، وتخفيف الاعتماد على خدمات الشحن ومصادر الطاقة التي بات الحصول عليها مكلفًا وشاقًا.

وفي هذه المتابعة تُسلط "وكالة سند للأنباء" الضوء على أزمة الكهرباء في قطاع غزة، بينما تُظهر حياةً تحاول الصراع من أجل الحصول على أدنى مقومات العيش بالطرق البديلة المحدودة، وهو ما وثقته عدسة المصور الصحفي عبد الله العطار.
طواحين هواء.jpg

منظومة مدمرة وبدائل محدودة

ولا تنفصل هذه المبادرات الفردية عن الانهيار الواسع الذي أصاب قطاع الكهرباء في غزة بفعل الحرب الإسرائيلية؛ إذ تعرضت شبكات التوزيع والمحولات والعدادات ومرافق الطاقة لأضرار جسيمة، فيما تعرّضت إمدادات الكهرباء والوقود لقيود حادة، ما أدى إلى اتساع الفجوة بين احتياجات السكان وما يتوفر لهم من طاقة.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني الواردة في تقريره بشأن أهداف التنمية المستدامة لعام 2026، تضرر نحو 5,080 كيلومترًا من شبكات الكهرباء، و2,285 محولًا، و235 ألف عداد للمشتركين، إلى جانب 538 مولدًا كهربائيًا و16,266 مشروعًا للطاقة الشمسية.

وتعكس هذه الأرقام حجم الضرر الذي لحق بالبنية التحتية للطاقة، وتفسّر جانبًا من الصعوبات التي تواجه استعادة الخدمات الكهربائية في القطاع.

كما أدى توقف محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة، عقب قطع إمدادات الطاقة ومنع دخول الوقود، إلى تعميق الأزمة، فيما لا تزال إعادة تأهيل الشبكات المتضررة تتطلب معدات ومواد أساسية يصعب توفيرها في ظل القيود المفروضة على إدخالها.

وفي 24 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت شركة توزيع كهرباء محافظات غزة استمرار أعمال تأهيل واستعادة الجاهزية التشغيلية للمنظومات المتضررة.

وأكدت شركة الكهرباء أن القيود على إدخال المواد والمعدات الأساسية اللازمة لإعادة تأهيل الشبكات ما تزال تعيق جهود الإصلاح. وأشارت الشركة إلى إعادة تشغيل مركز الاتصال على الرقم 133 بصورة جزئية، ضمن استعداداتها لاستقبال الكهرباء عند توافر الظروف اللازمة.

ويكشف ذلك أن الأزمة لا تتعلق بانقطاع عابر يمكن تجاوزه خلال ساعات، بل بمنظومة واسعة تحتاج إلى إعادة بناء وإصلاح، بما يشمل الشبكات والمحولات وأنظمة التحكم والتوزيع، فضلًا عن توفير الوقود ومستلزمات التشغيل والصيانة.

كهرباء متقطع.. ولمن يستطيع دفع ثمنها

ومع تراجع خدمات الشبكة العامة، برزت المولدات التجارية بوصفها أحد البدائل المتاحة لبعض السكان، لكنها تحولت إلى عبء مالي إضافي على العائلات التي استنزفت الحرب مواردها، وفقد كثير منها مصادر دخله وممتلكاته.

وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أعلنت سلطة الطاقة والموارد الطبيعية في قطاع غزة تحديد الحد الأقصى لسعر بيع الكيلوواط/ساعة من المولدات التجارية للمواطنين بـ29 شيكلًا، مع تحديث التسعيرة كل أسبوعين وفق التغيرات في أسعار الوقود والزيوت والصيانة والتكاليف التشغيلية.

ويعكس تحديد هذه التسعيرة حجم التحديات التي تحيط بتوفير الكهرباء عبر المولدات في الظروف الراهنة؛ فالحصول على الطاقة لم يعد مرتبطًا بتوافر مصدر كهربائي فحسب، بل بقدرة الأسرة على تحمل كلفته أيضًا.

وكلما ارتفعت تكلفة التشغيل، ازدادت صعوبة تأمين احتياجات يومية مثل الإنارة وشحن الهواتف وتشغيل الأجهزة الضرورية.

وفي آذار/مارس 2026، أعلنت سلطة الطاقة إجراءات لتنظيم عمل المولدات التجارية، شملت تحديد رسوم تركيب أو تشغيل المشترك الجديد بما لا يزيد على 50 شيكلًا لمرة واحدة، إلى جانب تنظيم الحد الأدنى للدفع وإلغاء تحصيل مبالغ التأمين عن المشتركين، وفق الضوابط التي حددتها. وجاءت هذه الإجراءات في إطار مساعي ضبط الخدمة وتخفيف الأعباء عن المواطنين.

ولا تعني التسعيرة الرسمية أن الكهرباء أصبحت في متناول جميع النازحين؛ إذ تبقى كلفة الاستهلاك عبئًا على الأسر التي تعيش في الخيام وتعتمد على مساعدات محدودة أو لا تملك دخلًا ثابتًا.

كما أن الاشتراك في خدمة المولدات لا يضمن بالضرورة توافر الكهرباء لكل الاحتياجات، خصوصًا في ظل محدودية الموارد وصعوبة إصلاح البنية التحتية.

وفي مواجهة هذا الواقع، يحاول بعض النازحين الاستعاضة عن الخدمات المدفوعة بوسائل أقل كلفة، مستفيدين من الطاقة الشمسية أو الرياح أو بإعادة استخدام البطاريات والمواد المتاحة.

وتظل هذه الحلول مرتبطة بالإمكانات الفردية والظروف المحيطة، ولا يمكنها أن تعوض منظومة كهرباء متكاملة.

حين يصبح الضوء إنجازًا يوميًا

داخل الخيام، تتجاوز الحاجة إلى الكهرباء مسألة الراحة؛ فالهاتف المشحون وسيلة للتواصل مع الأقارب، والدفع الإلكتروني ومتابعة الأخبار، وتلقي المعلومات المتعلقة بالمساعدات والخدمات، فيما تساعد الإنارة على الحركة ليلًا وإنجاز بعض الأعمال اليومية بعد غروب الشمس.

لكن تأمين هذه الاحتياجات يضع النازحين أمام خيارات قاسية: دفع كلفة الشحن أو الكهرباء التجارية، أو تقليص الاستهلاك إلى الحد الأدنى، أو محاولة صنع بدائل بإمكانات محدودة، فيما تبقى الأسر رهينة مصادر طاقة غير مستقرة، في ظل غياب الخدمات الأساسية عن كثير من أماكن النزوح.

نقطة شحن.jpg

ولا تخلو محاولات توصيل الكهرباء بصورة بدائية من مخاطر السلامة، خصوصًا عند استخدام أسلاك غير ملائمة أو تمديدات مكشوفة داخل الخيام المكتظة.

وقد شددت سلطة الطاقة، في إرشاداتها الصادرة بالتزامن مع تحديد التسعيرة في تشرين الأول/أكتوبر، على ضرورة تأمين التوصيلات، واستخدام قواطع الحماية المناسبة، وتجنب التحميل الزائد على الكوابل، بما يحد من مخاطر الصعق والحرائق.

وبينما يبتكر النازحون وسائلهم الخاصة للحصول على قدر من الطاقة، تظل الحاجة قائمة إلى حلول مستدامة تضمن وصول الكهرباء إلى أماكن النزوح، وتسهّل إدخال الوقود والمعدات ومواد الصيانة، وتسرّع إصلاح الشبكات والمنشآت المتضررة.

في مواصي خان يونس، لا تحمل الطواحين الهوائية البدائية وعدًا بإنهاء أزمة الكهرباء، ولا تستطيع إعادة الحياة إلى البيوت التي دمرتها الحرب؛ لكنها تكشف إصرار عائلات فقدت الكثير على البحث عن منفذ وسط العتمة. فمن بين الركام الذي خلّفته الحرب، يحاول النازحون انتزاع ما يعينهم على مواصلة الحياة، ولو كان ضوءًا محدودًا يتوقف على هبة ريح.

كهرباء بديلة.jpg