الطفل "سوالمة".. حين يتكالب رحيل الأم والأسر معاً

حجم الخط
نابلس – وكالة سند للأنباء

كغيره من الأطفال، قلبٌ هش يبتغى رضا أمه ورائحتها واتساع قلبها، تلك اليد التي تربت على كتفيه حين يشكو، وصوتها الذي يغفو عليه، حينما يلامس روحه فيرسل إليه فيضٌ من الأمان والقرب.

شاء القدر أن ينقطع مدد الروح حينما اختار الموت أن يخطف أم الطفل تامر أحمد سوالمة (15 عاماً) ويعيش مبتور القلب، مكسور الجناح، أيامٌ ثقيلة لم تكن لتمضِ مطلقاً، وكأنّ القهر والحزن ارتأى قلبه وطناً، فلا يذهب.

تلك الليالي لم يزر النوم عيني سوالمة، فلا النهار يحمل دواءا لألمه ولا الليل يتركه يستريح، ولطالما تمنى أن ما يعيشه حلماً وسيمضي في رحاله بعد أن يعيد له روح أمها التي تعلق بها جداً.

رحيل وسجن

ذاك الحزن الذي داهم قلب الصغير، وعدم قدرته على استيعاب رحيل أمه، دفعه للمبيت إلى جانب قبر أمه، يحدثها ويتمنى عليها أن تعود، لا جواب سوى صوته الطفولي الذي يرتد على مسمعيه، ويبقى عالقاً في الهواء دون أن يجد أذناً تسمعه.

وفي وسط الحزن الذي يغرق فيه مسالمة، تكالبتْ عليه الحياة، ليجد نفسه قد اختطف من واقعٍ مرٌ لواقع أشد مرارة وقهراً.

في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وجد نفسه تامر، ليس محروماً فقط من قلب أمه الذي لم يمنحها المرض أياماً كثيرة حتى سلب روحها، بل ومحروماً من عطف والده وسنده الذي بقي له في هذه الحياة.

في حي الضاحية الملاصق لمدخل مخيم بلاطة شرقي مدينة نابلس، يقطن تامر وعائلته التي لازال الحداد والألم يخيم على أجواء بيتهم بعد رحيل حبيبتهم ومأوى أفراحهم وأحزانهم.

ولأن الظروف الصعبة لا تمنح الساعين قسطاً يستريح من عناء الحياة، اضطر تامر مع مجموعة من رفاقه في سهلٍ قريب من معسكر حوارة، جنوب نابلس، إلى جمع ذخيرة الرصاص الفارغ لبيعه كنحاس.

اعتقالٌ مستمر

لم يرق ذلك لقوات الاحتلال الإسرائيلي، حتى داهمتهم واعتقلتهم جميعاً، وبعد وقتٍ قصير أُخلي سبيل الجميع، إلا تامر بحجة حيازته لآلة حادة، لتتكالب عليه الهموم مرة تلو الأخرى، فلا دعه يستيقظ من هول بلاء ليقع في آخر.

لم يشفع لتامر صغر سنه، ليتم نقله إلى مستوطنة ارئيل ثم سجن عوفر ثم إلى سجن مجدو، وبعد ذلك صدر بحقه حكماً بالسجن لمدة 3 أشهر إضافة ليوم واحد في محكمة سالم العسكرية.

طالبت النيابة بغرامة مالية قيمتها 1500 شيكل، ولكن تراجع عنها، بسبب إبراز وضع الاسرة بعد فقدان ربة المنزل، وتركها 9 أبناء أصغرهم عمره 10 أشهر.

شقاء الحياة نال نصيباً كذلك من والد تامر، حينما كان يقضي أيامه السابقة بين أبواب محكمة سالم وعمله كسائق تاكسي، وبين تحسس أوضاع بيته وحاجة أبناءه التسعة للرعاية والاهتمام، وبين التفكير في تامر الذي خطف قهراً لتتكالب عليه ظروف رحيل أمه وسجنه معاً، وهو الذي لم يعِ شيئاً كثيراً من هذه الحياة.

ورغم كل الظروف القاسية التي عاشها تامر إلا أنه يعيشها وحيداً، حيث غابت وسائل الاعلام عن طرح قضيته والمطالبة بحقه في الحياة والحرية والدراسة كغيره من أقرانه، في ظل انهمار الأخبار وانشغال الجميع في وباء "كورونا".

ويبقى تامر واحداً من عشرات الأسرى الأطفال الذين يقلعون خلف قضبان الاحتلال، تسرق طفولتهم، وتصادر حريتهن، ويمنعون من أدنى مقومات الحياة البسيطة.

ويبلغ عدد الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال نحو (5700)، منهم (37) سيدة، فيما بلغ عدد المعتقلين الأطفال في سجون الاحتلال نحو (230) طفلاً، والمعتقلين الإداريين قرابة (500).