إطعام أهل الميت.. إرثٌ حفظه أهالي بيت لاهيا

حجم الخط
57790bc2-4f3c-4072-91d4-9af854f42ff5.jpg
غزة - وكالة سند للأنباء

"اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم أمرٌ يُشغلهم"، وصيةٌ محمدية، عانقتها أرواح أهالي منطقة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، لتصبح عادةً من عاداتهم التي لا تُفارقهم في مناسباتهم، خاصة في الأحزان التي ينشغل فيها أهالي الميت بمصابهم.

وتقع بلدة بيت لاهيا الفلسطينية على بعد حوالي 7كم إلى الشمال من مدينة غزة، تحدها من الشمال قرية هربيا المحتلة، ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط، ومن الجنوب جباليا والنزلة ومن الشرق بيت حانون.

وتوصف هذه المدينة بــ"الجنة"، لاشتهارها بالأراضي الزراعية بمختلف الأنواع من الحمضيات والفواكه والخضروات، إلى جانب شهرتها الجغرافية.

كما ويتسم أهالي هذا المدينة بالعديد من الصفات الحسنة، حيث التعاضد الشديد فيما بينهم، وخاصة في الأحزان، حيث يُسابق الفقير والغني والغريب إلى جمع ما في بيته من طعام، كالزعتر والزيتون والزيت والأجبان والبيض واللحوم وغيرها، لتقديمه إلى أهالي الميت، ومساعدتهم في تجاوز محنتهم.

a799e671-a123-4164-80ff-4edfe1ec657f.jpg
 

عادة مزدهرة

المختار خالد مسلم "أبو مراد" يوضح لـ"وكالة سند للأنباء" أن عادة إعداد الطعام وتقديمه لأهالي الميت في أتراحهم، توارثتها الأجيال عن الأجيال السابقة، فسنوا سنة حسنة لمن بعدهم، وأحسنوا لغيرهم في مواساتهم والتخفيف عنهم في أوقاتهم الصعبة.

ويؤكد أن هذه العادة متواجدة وتزدهر في مدينة بيت لاهيا منذ وقت طويل جداً، ويعود هذا الأمر لوجود أنساب بين المواطنين الأصليين والقادمين للمدينة، وقد حافظت على هذه العادة حتى الآن، حتى أصبحت المدينة الوحيدة التي لا زالت متمسكة بهذه العادة والإرث الجميل.

ويشير إلى أن الهدف من هذه العادة، هو انشغال أهالي الميت بحزنهم ومصابهم الجلل، فتكسوهم الهموم والغموم، ولا يجد وقتاً لإطعام نفسه، فحين يتم إعداد الطعام من قبل أحباب أهالي الميت وجيرانهم وحيّهم، يريح النفس ويقوي الناس على الصمود في هذه المحنة، ويعينهم على استقبال المعزيين دون انشغال بأمور أخرى.

a656948a-d314-48c9-a811-b64e210b098a.jpg
 

يتساوى الجميع

ومع موت الكثير من كبار السن في المدينة، إلا أن هذه العادة لم تندثر مع رحيلهم، بل ترسخت بشكل أكبر في قلوب أبناءهم وأحفادهم ومن بعدهم، لأن الجميع عرف مدى تأثيرها الإيجابي ومعانيها السامية التي تُشعر الجميع بالتعاضد والتكاثف – كما يبين مسلم-.

ويضيف لـ"وكالة سند للأنباء": "في هذه العادة يتساوى الجميع، ويتسابق الكل لتقديم الطعام، فتجد رجال ذو شأن كبير في المجتمع يسيرون وهم يحملون الطعام على رؤوسهم، قبل الشباب والأطفال، حينها تشعر بمعاني المواساة الحقيقة والترابط الأصيل".

وينوه إلى أن هناك الكثير من العادات اندثرت مع مرور الزمن، إلا أن هذه العادة لم تنقص قط، بل زادت واتسعت في المدينة، وبات التمسك فيها بشكل أكبر من قبل.

منذ أول لحظة يُدفن فيها الميت في مدينة بيت لاهيا، يعرفُ كل حي وعائلة ما هو دوره وما الواجب الذي يناط به، ويقسم الناس حينها إلى قسمين ليعرف كلُ منهم من سيقدم الطعام في اليوم الأول والثاني وهكذا.

6cf535ef-43b4-4eeb-9dac-a0ada9a1f992.jpg
 

طعام يُصنع بحب

ويذكر مسلم أن الكثير من المعزين القادمين من خارج المدينة، حين يُشاهدون هذه العادة، تغمرهم مشاعر السعادة ويغبطون أهالي المنطقة على هذا التعاضد والتآلف الكبير.

ويلفت إلى أن مشاعر الحب تُغمس في كل طعامٍ يصنع، حيث تجد نساء المنطقة يستيقظن منذ ساعات الصباح الأولى، يشعلن أفران الطين "الطابون" من أجل إعداد الخبز الساخن، والطعام الطيب، فتجد العائلات جميعها تعمل كخلية نحل متكاملة.

ويتمنى مسلم أن تنتشر هذه العادة، ويعود إليها الناس كما السابق، لأنها تجمع بين الناس، بدلاً من انشغال كل شخص بمعزل عن عائلته وحيه ومجتمعه، لأن هذه العادة رائعة ولها من الآثار الإيجابية على النفس الكثير.

ebdf823b-908c-442c-8e2a-3dc7a72c452d.jpg
bb1e862b-29b2-4475-ac4a-14cb6eda7d9b.jpg
959ea0e8-927c-49e9-9b0f-8c8de0bcba6d.jpg
 

 

google-site-verification=DJEuzey_RbsNz66VcwLuoL_mjdHWrCK8LLP4fg_HSGk