المطاردة والاختفاء.. هل الحاضنة الشعبية جاهزة وقادرة في الضفة الغربية؟

حجم الخط
6135f1244236042e3d02e38f.jpg
أحمد البيتاوي-وكالة سند للأنباء

أعادت حادثة انتزاع ستّة أسرى لحريتهم بالفرار من سجن جلبوع شديد التحصين، وما تلاها من عمليات بحث ومطاردة، انتهت باعتقال أربعة منهم، تسليط الضوء على الحالة التي يصفها الفلسطينيون بالحاضنة الشعبية لـ "المطلوبين" لسلطات الاحتلال الإسرائيلي.

أن تحمل لقب "مطارد" لجهاز الشاباك الإسرائيلي، فهذا يعني أنك تواجه عدواً يبدو مسيطراً على الأرض لحد الإحاطة شبه التامة، ويمتلك إمكانيات بشرية وتقنية واستخبارية هي الأقوى في المنطقة وعلى المستوى العالمي.

وأمام هذا الواقع المعقد خاصة في الضفة الغربية تبرز الحاجة لأهمية وجود حاضنة شعبية تحمي المطاردين، وتوفر لهم الدعم اللوجستي، وتساعدهم على المبيت والتنقل من مكان لآخر دون أن يرصدهم الرادار الإسرائيلي.

فهل يمكن بناء وتعزيز هذه الحاضنة بالأساس؟ أم أن إبقاء الأمر بشكله العفوي أفضل وأسلم؟ هل المجتمع الفلسطيني في الضفة لا يزال متقبلاً لفكرة وجود المطاردين بين أظهره ؟ أم أن اهتماماته تغيرت وتبدلت؟ وماذا عن الحاضنة الفصائلية؟

الحاضنة الشعبية واستمرارية المقاومة

يقول الكاتب والمحلل السياسي سري سمور، إن "من أهم شروط نجاح المقاومة في أي بقعة من العالم وجود حاضنة شعبية، فهي كلمة السر لنجاح الفعل المقاوم وديمومته، لذلك نرى جميع الاحتلالات كنت تستهدف المدنين بشكل متعمد ومقصود، لأنهم يشكلون الحضن الذي يحمي المقاتلين".

وبيّن  أن الحاضنة الشعبية في الحالة الفلسطينية تلعب العديد من الأدوار الهامة، ابتداءً من توفير الدعم للمقاومين وإمدادهم بالمال والغذاء والعلاج في حال كانوا مصابين، ومساعدتهم على المبيت الآمن والتنقل وإرشادهم على أماكن تواجد جنود الاحتلال.

وأكد "سمور" لـ "وكالة سند للأنباء" أن اتساع الحاضنة الشعبية يُعطي رسائل خطيرة لإسرائيل مفادها أن الجمهور الفلسطيني موافق ضمناً على خيار المقاومة ولو لم ينخرط بها فعلياً.

ويرى أن الحاضنة الشعبية الفلسطينية ليست بنفس المستوى وتختلف من منطقة لأخرى، فقطاع غزة ليس كالضفة، والضفة ليست كالداخل المحتل، والمخيمات ليست كالقرى، والقرى القريبة من الجدار الفاصل ليست كالقرى البعيدة عنه.

ونبّه أن هذا التفاوت له عدة اعتبارات، منها "عدد السكان والاتساع الجغرافي، والأهم من ذلك الوعي السياسي والاجتماعي، وارتفاع المنسوب الوطني والإيمان بجدوى المقاومة ابتداءً".

واستطرد "سمور" أن "الحاضنة الشعبية إجمالًا الحاضنة الشعبية موجودة في الساحة الفلسطينية، لكن المطلوب تعزيزها والبناء عليها".

الحاضنة الفصائلية

وعن دور الحاضنة الفصائلية في مساعدة المطلوبين للاحتلال، تحدث عن وجود قصور في هذا الجانب، فكل فصيل عدة أجنحة منها الإعلامية والعسكرية والسياسية، لكنّ لا وجود لجهة خاصة تتولي مهمة الإشراف ومساعدة المطاردين، وإن حدث يكون في الإطار الفردي لا المنظّم"، وفق "سمور".

وشدد على ضرورة أن يكون للفصائل دورًا في تعويض أي خسائر واردة للحاضنة الشعبية، فأي عائلة ستُقدم يد العون للمطارد، من البديهي أن يُعاقبها الاحتلال بهدم المنزل أو المكان الذي لجئ إليه المطلوب، وهنا يجب أن يبرز دور الفصائل لتعزيز هذه الحاضنة.

ويوضّح "سمور" أن "الحاضنة الشعبية مهمة ليس لذاتها، فالمطارد في النهاية بين خيارين؛ الاستشهاد أو الاعتقال الطويل، وإنما أهميتها تكمن في إعطاء "رسائل مشجعة للمقاوم المستقبلي وكل من يفكر بالخيار المسلح ضد الاحتلال".

الحاضنة بين صعود وهبوط

من جانبه، يرى الباحث في الحركة الوطنية الفلسطينية ساري عرابي، أن الحاضنة الشعبية للمطاردين مرت بعدة بمراحل وارتبطت بزيادة زخم العمل المسلح وتراجعه.

ويُضيف لـ "وكالة سند للأنباء" شهدنا خلال الانتفاضة الأولى تلاحماً شعبياً ودعماً واسعاً للمطاردين، ثم تراجع هذا الدعم بعد إنشاء السلطة الفلسطينية عام 1994، ثم عادت هذه الحاضنة للحضور بقوة خلال انتفاضة الأقصى".

لكن مع نهاية عام 2006 _تبعًا لعرابي_ فإن الحاضنة الشعبية شهدت تراجعًا ملحوظًا، استمر حتى سنة 2014، حيث بدأت الحاضنة تستعيد وجودها ودعهما للمقاومين.

ويستدل على حديثه بالقول: "غالبية المطاردين الذين تم اغتيالهم أو اعتقالهم منذ عام 2014،  تمت تصفيتهم أو اعتقالهم من داخل منازل أو منشئات تعود لمواطنين فلسطينيين".

ونبّه أن الاحتلال يعمل ضمن مخططاته لتقليص هذه الشريحة وتحيدها عن العمل السياسي، بالترغيب تارة من خلال إغرائها بالعمل في الداخل المحتل، أو بالترهيب تارة أخرى حيث يلجأ لإيقاع عقوبات قاسية ضد من يساعد المطلوبين.

وفي سؤالنا حول المطلوب شعبيًا في هذه المرحلة؟ ردّ "عرابي": "رفع مستوى هذه الحاضنة والبناء على حالة التعاطف العامة التي تترافق عادةً مع عملية ما، أو خلال الحروب على غزة، وهذا يتطلب تعبئة وطنية تساهم فيها عدة جهات، ابتداءً بالمدرسة والجامعة والمسجد وانتهاء بالحركة الطلابية والفصائل".

ويستدرك: "لنكن واضحين، المشكلة ليست باستعداد الناس لمساعدة المطلوبين، المشكلة هي التفوق الإسرائيلي وقدراته البشرية والتقنية التي لا زلنا نجهل الكثير منها، وما يظهر لنا من كاميرات مراقبة وأجهزة تنصت وغيرها هو رأس الدبوس فقط".

الناس متفاوتون

الأسير المحرر من سجون الاحتلال حامد العامودي، خاض تجربة المطاردة لأكثر من 4 سنوات خلال انتفاضة الأقصى، وفي هذا التقرير تحدث لـ "وكالة سند للأنباء" عن تعامل المواطنين مع المطارد من وحي تجربته.

ويصف "العامودي" حياة المطارد بـ "صعبة للغاية" وتحفّها المخاطر من كل جانب، وتزداد عليه الضغوطات لو كان ممن نفّذ عمليات فدائية أسفرت عن مقتل جنود إسرائيليين أو مستوطنين، لكنّ تخف حدتها، مع وجود قاعدة شعبية تُسانده وتحميه وتُقدم له الخدمات ما يُكفي لسد احتياجاته اليومية.

لكنّه يقرّ بوجود تفاوت بين الناس في التعاطي مع هذه شريحة، فهناك يهب نفسه وأبنائه وأملاكه، للمطارد، ومنهم يشترط عدم حيازة أسلحة للقبول بإيوائه، وآخرون (وهم قلّة)، يخشون مجرد مرور المطلوب من أمام منازلهم.

وتطرق لـ "الاحتياجات التي يريدها المطارد من المواطنين"، قائلًا: "إلى جانب الحاجات الإنسانية المعروفة، فالمطلوب بحاجة أن يكون المجتمع على درجة عالية من الوعي الأمني، بالابتعاد عن الفضول والثرثرة ونقل الكلام".