الساعة 00:00 م
الأربعاء 30 سبتمبر 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.06 جنيه إسترليني
4.33 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.48 يورو
3.07 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

أرواح أنهكتها الإبادة وقهر الإعالة.. ماذا يعني أن يكون رُبع نساء غزة معيلات لأسرهنّ؟

نائل البرغوثي: "ابن غفير" يحوّل الأسرى لدعايته الانتخابية وتهديد سلامة خطير

أرواح أنهكتها الإبادة وقهر الإعالة.. ماذا يعني أن يكون رُبع نساء غزة معيلات لأسرهنّ؟

حجم الخط
نساء غزة.jpg
غزة – هداية عصمت حسنين – وكالة سند للأنباء

حين تتهاوى مقومات الحياة ويفقد الأفق ملامحه، تجد نساء قطاع غزة أنفسهن مرغمات على ارتداء دروع الخشونة والصلابة، ليقفن وحيدات في واجهة رياح الموت والنزوح.

لم تعد قصة الإعالة هنا مجرد أرقام تُحصى في تقارير دولية تتحدث عن نحو 86,290 أسرة في القطاع ترأسها نساء؛ أي ما يمثل ربع عائلات القطاع (واحدة من كل أربع أسر)، بعدما تضاعفت نسبتها تقريبًا مقارنة بما قبل تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

هي وجع يومي متجدد؛ أرملة تتجرع مرارة الفقد، فتاة عزباء سرقت الحرب ريعان شبابها لتجعلها أمًا لأخواتها، وزوجة شهيد أو معتقل تحمل جبالًا من القلق والمسؤولية المضاعفة.

وفي الوقت الذي يحتاج فيه ثلثا هذه الأسر إلى مساعدة نقدية عاجلة وسط شح التمويل وصعوبات الوصول، تروي الحكايات الواقعية التي رصدتها "وكالة سند للأنباء" وجعًا أعمق يتجاوز لقمة الخبز إلى استنزاف الروح والجسد.

إنهن نساء يقاتلن لأجل بقاء عائلاتهن من حطام الروح، حيث باتت الطمأنينة رفاهية بعيدة المنال، وغدت تفاصيل الحياة العادية حلمًا يحارب الجميع لأجله.

قسوة الفقد والإعالة المزدوجة

تجسد السيدة مريم أبو شرخ قسوة الفقد والإعالة المزدوجة؛ فهي أرملة تجاوزت العقد الرابع من عمرها، وتجد نفسها مسؤولة عن ابنها، ووالدتها المسنة، وأختها.

تروي "مريم"، بحرقة، أن التحدي لا يكمن في مجرد التسمية، بل في اضطرار المرأة لارتداء ثياب الأب والأم معًا، وتحمل ما يفوق طاقتها وحدها، وكيف أن أي أمر "يزيد عن حده يقلب ضدها".

وتستحضر مريم خلال حديثها لـ "وكالة سند للأنباء" تفاصيل حياتها السابقة حين كانت تدور بين العمل الشاق خارج المنزل والسوق لتأمين المتطلبات والطبخ، وصولًا إلى مرحلة التوقف المؤقت للتركيز على بيتها، فاتجهت نحو العلم وحفظ القرآن والدورات المكثفة.

لكن حرب الإبادة والنزوح المرير إلى جنوب قطاع غزة، ثم العودة إلى غرب غزة لبيت متضرر، ضاعف الأعباء؛ فهي تدير تفاصيل النزوح القاسية وتتحمل قسوة الخيمة، ومع ذلك تؤكد بحرقة أن "الذي يصبر ويقف هو رب العالمين".

وتختم مريم حديثها بأنها تمنح نفسها طاقة إرادة وصلابة إضافية رغم شعورها أحيانًا بوجع المرض والبكاء، لتتجاوز محنتها بالعودة تدريجيًا لترتيب تفاصيل حياتها الصغيرة.

16bf0b51-cfbc-481b-b463-c55a4400385b.jpg


 

عزباء تقهرها المسؤوليات

وفي خلال حديث مراسلتنا مع عائشة زكريا (35 عامًا)، تبرز مأساة الفتاة العزباء التي وجدت نفسها معيلة لأسرتها منذ ما قبل الإبادة بتسع سنوات إثر وفاة والدها.

تتولى عائشة اليوم رعاية أمها مريضة السكري، وأخواتها الثلاث، إحداهن تعاني منذ صغرها من مشكلات بصرية تتطلب رعاية ومتابعة مستمرة.

تصف عائشة واقعها بوجع عميق قائلة إن "الطمأنينة باتت من الرفاهيات"، موضحة أن المعيل لا يقتصر دوره على جلب المال، بل يحتاج دائمًا إلى الاطمئنان لمصدر رزقه وقدرته على توفير الأمان النفسي للبيت.

ومع حرب الإبادة والنزوح إلى الجنوب والعودة إلى منزلها المتضرر غرب غزة، تضاعفت أعباء عائشة المعيشية لتشمل ترميم البيت والعمل الشاق، وتفاصيل أخرى.

وتحكي عائشة كيف أن هذا الضغط المستمر سلبها وقتها الخاص، وحرمها من أبسط حقوقها الأنثوية في الاهتمام بذاتها والترفيه، لتشعر أحيانًا بحزن عميق بأن شيئًا من روحها قد سُرق، مؤكدة أن رجالًا أشداء قد تعجزهم هذه الظروف فما بالك بنساء أُلقين في واجهة النار؟!.

زوجة شهيد تصارع تفاصيل الحياة

أما ولاء حبيب (34 عامًا)، فتفتح نافذة على وجع زوجات الشهداء؛ فبعد شهر واحد فقط من بدء الإبادة، فقدت زوجها الذي كان شريكها الحقيقي وسندها في كل تفاصيل التربية والحياة، لتجد نفسها فجأة أمام مسؤولية جسيمة لتربية أربعة أطفال صغار (اثنان دون السادسة واثنتان في المرحلة الابتدائية).

تستحضر ولاء خلال حديثها لـ "وكالة سند للأنباء" صدمة التحول؛ فبعد رحلة علاج لطفلها الصغير خارج القطاع وعودتها لغزة، واستحضار كونها زوجة الشهيد، اصطدمت بواقع كونها المعيل الأساسي والوحيد للبيت.

تروي بمرارة كيف أن "المعيل الذي يعرف أنه لا معيل له يلاحقه القلق الدائم"، وكيف أن محاولة التوفيق بين توفير لقمة الخبز وتأمين حياة كريمة للأطفال وسط استنزاف طاقتها النفسية والجسدية يجعلها تشعر أنها كبرت وهرمت قبل ريعان شبابها.

وعن مأساة قاهرة تقول ولاء "تحاول زوجة الشهيد عبثًا أن تكون امرأة خارقة تفعل كل شيء وحدها، في ظل فراغ قاسٍ يتركه غياب السند الحقيقي الذي كان يشاركها حتى أبسط تفاصيل الوجود، ولكن لا مناص من الألم والتعب والشعور بأن ثمة صورة ناقصة بالمشهد اليومي للحياة".

زوجة أسير تواجه المجهول

وتتقاطع المأساة مع الشابة نور يوسف، التي وجدت نفسها على خطوط النار الأولى بعد اعتقال الاحتلال لزوجها خلال اجتياح شمال القطاع، وفقدان منزلها بالكامل. أصبحت نور أمًّا وأبًا في آنٍ واحد لـ 3 أطفال (أحدهم في الروضة والاثنتان في المرحلة الابتدائية).

وتؤكد نور لمراسلتنا أن غياب الزوج كليًا؛ ماليًا ومعنويًا، يضع على كاهلها عبئًا ثقيلًا ينهش روحها وجسدها ببطء شديد. وعلى الرغم من نجاحها أحيانًا في الحصول على عمل مؤقت لمحاولة توفير متطلبات أطفالها، إلا أنها تشهد بأن "مصدر الرزق وحده لا يكفي لإلغاء القلق ودعم الاستقرار".

وتشير إلى أن المرأة المعيل تحاصرها الهواجس الدائمة حول كيفية حماية أطفالها وصيانة استقرار الأسرة، لتجد نفسها مستنزفة تمامًا أمام واقع مرير ومستمر منذ نحو عامين، تعاني فيه الأمرين جراء غياب الأب وتحمل الأعباء بمفردها.

fc4286d7-1c44-418f-875d-a704d5107e15.jpg


 

ألم جماعي ومسؤولية مضاعفة

وفي إحاطة للصحفيين بجنيف في سبتمبر/ أيلول الجاري، أكدت رئيسة قسم العمل الإنساني في هيئة الأمم المتحدة للمرأة، صوفيا كالتورب، أن الهيئة رصدت "كمًا مروعًا من الألم الجماعي" عند التحدث مع نساء غزة، موضحات أنهن "تواجهن مرارة فقدان الزوج والأب لأطفالهن، وفي الوقت نفسه، تتحملن المسؤولية الكاملة عن إدارة شؤون المنزل وحماية أسرهن وتوفير احتياجاتها، وسط ظروف بالغة الصعوبة وتزداد سوءًا".

وتؤكد لغة الأرقام الأممية أن العائلات التي تعيلها نساء بغزة (والتي تمثل الربع) تعاني مصاعب أكبر مقارنة بتلك التي تعيلها رجال؛ إذ تفتقر 7 من كل 10 أسر تعيلها نساء إلى المأوى المناسب، وأبلغت ثلاثة أرباعها عن أضرار لحقت بمساكنها، فضلًا عن اضطرارها للنزوح بمعدل ثماني مرات منذ بدء الحرب.

مهندسات البقاء من حطام الروح

إن نساء غزة اليوم لسن مجرد أرقام في قوائم الإحصاءات الإنسانية، بل هنّ مهندسات البقاء اللاتي يدافعن عن استمرار الحياة من حطام الروح.

وبين أرملة تخوض معركة النزوح، وفتاة تآكلت أحلامها بين جدران المسؤولية، وزوجة شهيد أو معتقل تحمل جبالًا من القلق، تظل حكاية المرأة المعيل في غزة شاهدًا حيًا على أعظم ملحمة صمود نسائية في تاريخ وجع الإبادة.