الساعة 00:00 م
السبت 28 يناير 2023
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.26 جنيه إسترليني
4.85 دينار أردني
0.12 جنيه مصري
3.74 يورو
3.44 دولار أمريكي

حروب متتالية حتمت عليهم رؤية الموت..

اضطرابات ما بعد الصدمة.. أطفال غزة ناجون ممزقون نفسيًا

حجم الخط
طفلة فلسطينية من غزة
إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

"ماما خليني بحضنك، الليل فيه أصوات غريبة رح ياخدوني معهم"، ما سبق هو جزء من هذيان لطفلة لم تتجاوز الـ10 أعوام من عمرها، حتم عليها رؤية الموت رأي العين، في حروبٍ متتالية شنّتها إسرائيل على قطاع غزة، وجعلت ذاكرة أطفاله مليئة بمشاهد الدمار والقتل، ما خلّف تبعات نفسية واجتماعية تجلت في تفاصيل حياتهم اليومية.

ويُجمع أطباء نفسيون ومنظمات حقوقية، بأن العدوانات الإسرائيلية المتكررة منذ عام 2008 على غزة، ألقت بظلالها الثقيلة على مختلف الشرائح في المجتمع، بما فيهم الأطفال، الذين نالوا حصة الأسد من آثارها السلبية.

وتتمثل هذه الأعراض بـ "الاكتئاب، والقلق، والتبول اللاإرادي، وتنامي ظاهرة السلوك العدواني عند الأطفال الذي انعكس على حركاتهم وكلامهم" وغيرها.

أطفال.jpg

زينة أحمد فلسطينية عاشت طفولةً ليست كباقي أطفال العالم، حلوة مَرة، ومُرة أيام، حاولت أن تُحلّق ببراءتها نحو آفاقٍ رحبة؛ لكن وجود الاحتلال كان عائقًا أمام زهرة الطفولة التي نَمَتْ بدماءِ الحروب.

ترسم "زينة" مشهد عائلتها قبل وقوع مجزرة جباليا في العدوان الأخير، "لديّ 3 إخوان، كنا نرصُّ مكان نومنا جنبًا إلى جنب، -فالموت كما يقولون مع الجماعة رحمة-، تعالت أصوات الضحك بيننا؛ لنستطيع نسيان أزيز الطائرات من فوقنا، لكن في لحظةٍ لم أعشها منذ قبل، وقع صوت انفجار بالقرب من بيتنا، لم نسمع حينها شيئًا سوى صراخ وبكاء، والمكان بات مظلمًا لا نرى سوى أعمدة الدخان".

وتسرد "زينة" لـ "وكالة سند للأنباء"، تفاصيل ما جرى في مجزرة جباليا، "بعدما شاهدتُ عبر النافذة المطلة على الشارع انتشال بعض الجثث، بكيث كثيرًا وجلست أصرخ بشكلٍ هستيري، شعرت أن الموت قريب منّا جدًا".

انتهت الحرب لكنّ الخوف لازال يستوطن قلب "زينة" تقول: "بت أخشى الليل، والأصوات العالية، حتى الضحكات العالية؛ لأن صوت الانفجارات يتبعها عادةً" متساءلة بنبرة طفولية "أليس من حقنا أن نعيش طفولتنا بدون حروب؟"

الهواجس التي تحدثت عنها "زينة" تؤكدها والدتها، مردفةً: "تعجز عن النوم في الليل، لأن الاحتلال يتعمد ضرب أهداف معنية بعد منتصف الليل، وأحيانًا يستمر القصف حتى الصباح".

وتُكمل لنا: "هذه الأيام الصعبة جعلت زينة كغيرها من الأطفال بغزة، تخشى الليل والعتمة، وفيما بعد أصبحت لا تطمئن لشيء ودائمة الخوف من أي صوت عالٍ حولها".

أطفال غزة.webp
 

لا يختلف الشعور كثيرًا عن الطفلةِ لين بارود (12 عامًا) التي خرجت من تحت الأنقاض إذ تقول بنبرةٍ مرتجفة، "إنني أخشى الفقد، وخشيت على فقدان خالتي التي أعيش قربها".

وتتابع بصوت لاهث، "أنا أصبت في قدمي، نتيجة الصواريخ التي نزلت على المنطقة، الحمد لله أني على قيد الحياة، ولم أفقد أحدًا من عائلتي".

وتُكمل، "أنا لا أستطيع النوم بشكلٍ طبيعي، وأخشى النوم حتى لا أصحو على أنقاض جاثمة على جسدي"، مُعبرةً أن حياة أطفال غزة كلها "مُرهِقة"!

أما أم أحمد علي (38 عامًا) تتحدث عن طفلتها "تالا" البالغة من العمر 3 أعوام، قائلةً: "كانت تلتصق خلال فترة الحرب (..) هذه ثاني حرب تعيشها طفلتي، وقد أثرت بشكلٍ سلبي كبير على سلوكها اليومي وتصرفاتها مع من حولها".

وتُشير إلى أنه في آخر فترة بدأت تضع يديها على أذنيها عندما تخاف، أو تريد النوم، موضحةً أن هذا السلوك كانت تتبعه في الحرب عندما تسمع أصوات الطائرات والانفجارات.

طفلة 1.jpg
 

"الصدمة ما بعد الحرب"..

أستاذ علم النفس بجامعة الأقصى في غزة، درداح الشاعر، يقول لـ "وكالة سند للأنباء"، إن "المجتمع الفلسطيني يتضرر بفعل العدوانات أو الهجمات المباغتة على غزة، خاصة الأطفال والنساء؛ لعدم نضوج الجانب المعرفي أو العقلي لديهما في تفسير الأحداث".

ويُبيّن "الشاعر"، أن "قلة خبرة الطفل وإدراكه في الحياة لما يحدث من ظروفٍ مُباغتة، يجعله لا يستطيع الإجابة على ما يحدث حول هذا العدوان الهمجي وبالتالي هو يُباغت بهذا القصف".

وعن الآثار النفسية الخطيرة على الطفل؟" يُجيب، من "الناحية النفسية يشعر بالخوف وحالات الهلع التي ترافقه على مدار طويل من حياته، إضافةً إلى قلق واضطراب يرافقه أثناء النوم، ونجده دائمًا متعلقًا بأمه أو بإخوته بشكل دائم".

ومن الأعراض النفسية أيضًا: "ضعف التركيز عند الطفل، واضطراب سلوكياته، وذاكرته التي تضج بمشاهد الدماء وأصوات الانفجارات"، وفق "الشاعر".

طفلة 3.jpg
 

وعلى المستوى الاجتماعي للطفل، يؤكد أنه يتضرر بشكلٍ كبير، حيث  "تجده يميل لقطع العلاقات والروابط الاجتماعية؛ فالطفل نجده يخشى الذهاب بعيدًا عن البيت والأسرة، بالإضافة إلى الأحلام والكوابيس التي تباغته في الليل وتعمل على تقطع النوم الهادئ".

 وفي إجابته على سؤالنا "ما أضرار مشاهد الحرب العنيفة على الطفل؟" يُوضح أن المشاهد العنيفة التي يراها الأطفال من جثثٍ وأنقاض، تُشعره بحالةٍ من الهلع أو اقتراب الموت منه، مؤكدًا أن هذه المشاعر تُفسد حياة الطفولة وتجبره على أن يحيا حياة أكبر من سنّه.

وجاء في حديثه: "الصدمة النفسية تمتد من 10 – 15 يومًا، ومن الممكن أن تمتد إلى شهورٍ طويلة، إذا كان الحدث صادمًا ومرعبًا" معتقدًا أن الصدمة للطفل الذي كان بجوار الحدث ووقع عليه، سترافقه شهور بل سنين، إن لم يبادر بإصلاح الحالة النفسية ودعم نفسي ستمتد إلى سنوات.

ويُشير إلى أن مؤسسات المجتمع المدني ومؤسسات الدعم النفسي، لا تفيق من صدمة حتى تعود إلى صدمة جديدة، مستطردًا: "فإن أخطر ما يمر به واقعنا أننا لا نستطيع التنبأ أطول فترة  أمن نفسي يُمكن أن يعشيها الطفل في غزة".

ويلفت إلى أن الخبرات السيئة والمؤلمة تتراكم في حياة الطفل النفسية، فما إن يتماثل بالشفاء من صدمة حتى تأتي الأخرى لتُعيده إلى نقطة الصفر.

"الخوف من الفقد"..

إلى ذلك، تؤكد مديرة الاستراتيجيات في المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان مها الحسيني، أن نسبة الأطفال الذين يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، بلغت 91.4%، واصفة النسبة بـ "الكارثية".

وتضيف "الحسيني" لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الصحة العقلية والنفسية لأطفال غزة تتفاقم بشكلٍ متواصل، فلا نجزم أن هناك تحسنًا ملحوظًا؛ لأن الأشخاص الذين يحاولون دعم الأطفال، تعرضوا أيضًا لاضطرابات ما بعد الصدمة.

بكاء طفلة.webp
 

وتتفق "الحسيني" مع الشاعر" في أن أبرز الآثار النفسية للحرب، على الطفل، هو الخوف من الموت والفقد، والظلام، والتبول اللاإرادي، إضافةً إلى الأصوات المرتفعة من كل شيء.

وتنقل "الحسيني" عن أطباء نفسيين، قولهم بأن الطفل حتى يخرج من تأثير اضطراب ما بعد الصدمة، يحتاج أن يشعر بالأمان وأن الصدمة التي حدثت له لن تتكرر، لكن وجود طائرات الاستطلاع "الزنانة" بشكلٍ دائم في سماء غزة، يحول دون ذلك، فهي بمثابة تهديد ضمني للطفل بأنه القصف قادم.

من جانبه، يُبيّن رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد" صلاح عبد العاطي، أن انعكاسات الحرب على أطفال غزة هو عدوان على كل المدنيين لافتًا إلى استشهاد 18 طفل وإصابة 163 طفل بجراح مختلفة في العدوان الأخير.

ويؤكد "عبد العاطي"، لـ "وكالة سند للأنباء"، أن أطفال غزة يتم ترويعهم وحرمانهم من الحد الأدنى من حقوقهم المكفولة بموجب القانون الدولي الإنساني.

ويُشير إلى ثمة ضغط على الأمين العام للأمم المتحدة؛ لإضافة جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى القائمة السوداء المنتهكة لحقوق الأطفال.