في مدينة التناقضات غزة، مشاعر مختلطة ترافق النازحين العائدين إلى المدينة وشمالها، وجوهٌ تملؤها فرحة مُزجت بحزن وفقد كبير، والسؤال الذي ينطق هُنا، كيف سيروي المحب ظمأ قلبه من عائلته إذا كان هو الناجي الوحيد؟
أكثر من 47 ألفا و306 شهداء ارتقوا منذ بدء الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، معظمهم كان ينتظر لحظة القاء، ولحظة التئام شِقَّي النزوح، وها هي الحرب وضعت أوزارها، وعاد النازحون إلى بيوتهم وما تبقى منها بفرحة منقوصة.
وفي إطار متابعتها، رصدت "وكالة سند للأنباء" بعضاً من مشاهد عودة النازحين، بفرحة يملؤها رضاً والكثير من الدموع، بعد فقد العائلات والأحبة، الذين كان من المفترض استقبالهم على مشارف المدينة.
عودة الناجي الوحيد..
"أنا الناجي الوحيد"، بهذه العبارات يستهل أحد العائدين حديثه في إحدى المقابلات المصورة، مضيفاً، "أنا راجع على الدار وما في دار".
وبدموع حُشِرت في عينيه يُجيب على سؤال "مَن في انتظارك لاستقبالك"؟ " أنا الناجي الوحيد، كلهم استشهدوا، وهنا يتوقف الكلام(..)
ويتابع قوله: "بدي أروِّح أدفنهم وأشِم ريحتهم، خلص غزة روَّحت، وأنا بدي أودع عائلتي للمرة الأخيرة"، مُبدياً صبراً ورباطة جأش وتحملٍ بمُصابه.
أما هذه الأم المكلومة، تتساءل بدموع عينيها، "كيف سأرجع إلى الشمال وابني شهيد؟ مش قادرة أروح وما ألاقي ابني، كان مفروض هو أول واحد يستقبلني".
وبصوتها المتحشرج تضيف، "كان ينتظر الدقائق والثواني لانتهاء الحرب ونلتقي، هو بقي في شمال القطاع ونحن نزحنا إلى الجنوب".
ورغم مُصاب الفقد، إلا أنه لا يُلغي فكرة العودة إلى ثرى البلاد ورائحة أحيائها ومخيماتها فالسيدة فاطمة أبو حصيرة التي نزحت على مدار أشهر الإبادة إلى مدينة خان يونس جنوب القطاع، تُعبر عن شعورها: "هذا يوم فرحة لكن توجد غصة في القلب".
وتزيد: "في ألم وحزن داخل قلوبنا، فقدت من أولادي وأحفادي خلال الحرب، وأحبائنا وجيراننا كما فقدنا منازلنا"، ينما تفضل أبو حصيرة العيش على أنقاض منزلها المدمر على أن تبقى بعيدة عن أرضها ومكان سكنها قرب ميناء مدينة غزة.
أما فاطمة نهاد، كانت قد ترقبت العودة إلى شمال قطاع غزة؛ لاحتضان ثرى زوجها وحبيبها، الذي حالت الحرب بينها وبين إلقاء النظرة الأخيرة عليه.
وتقول "نهاد" لـ"وكالة سند للأنباء"،" أول شيء فعلته عند عودتي، زرت أنا وأطفالي قبر والدهم وحبيبنا جميعاً، ثم زرت مَن تبقى من أحبة، أما لقاء الأصدقاء فكان هو مُهوِّن اللحظة الصعبة".
عودة مستمرة..
ويواصل آلاف الفلسطينيين النازحين العودة إلى منازلها في شمال قطاع غزة لليوم الثاني على التوالي، عبر شارعي الرشيد وصلاح الدين، في مشهد مهيب يعكس عزمهم على العودة إلى ديارهم بعد أكثر من عامٍ من المعاناة.
وأمس الإثنين، وصل أكثر من 300 ألف نازح فلسطيني إلى مدينة غزة وشمالها، بعد 15 شهراً من النزوح، مشياً على الأقدام من شارع الرشيد الساحلي، بينما سُمح بدخول المركبات عبر طريق صلاح الدين، بعد مرورها على نقاط التفتيش الدولية.
وخلال أشهر الإبادة، دمرت "إسرائيل" نحو 88% من قطاع غزة بما يشمل البنى التحتية والمنازل والمستشفيات والمدارس والمنشآت الحيوية والاقتصادية.